الملفات الضريبية المتراكمة في سوريا.. سنوات من التعطيل وإصلاح حكومي يبدأ بتصفية الفوضى

تحتاج الحكومة السورية إلى استعادة مواردها المالية في وقت تتراجع فيه قدرة الخزينة على تمويل الخدمات وإعادة الإعمار، لكنها تدخل هذا الاستحقاق محمّلة بإرث ضريبي ثقيل صنعته سنوات من التعطيل الإداري وتراكم الملفات المفتوحة. واليوم، تطرح وزارة المالية خطة لإغلاق هذا الإرث وفق جدول زمني، من دون أن تكشف بعد عن حجم الملفات المتراكمة، أو أسباب تعثرها، أو الجهات المسؤولة عن إبقائها معلّقة طوال تلك السنوات.

إرث إداري بلا حصيلة واضحة

أطلقت وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب والرسوم خطة “المعالجة الشاملة والإغلاق المنهجي للملفات الضريبية المتراكمة”، بهدف حسم الالتزامات السابقة وتوحيد معايير التدقيق والحد من التقديرات الشخصية، تمهيداً لتطبيق تشريعات ضريبية جديدة.

لكن الإعلان عن خطة للإغلاق يطرح سؤالاً أسبق من الحديث عن الإصلاح: كيف تُركت آلاف الملفات، وفق توصيف المسؤولين، تتراكم من دون حسم؟ ولماذا لم تتحرك الإدارة الضريبية لمعالجة الخلل قبل أن يتحول إلى عبء على المكلفين والخزينة معاً؟ لا تقدم التصريحات الرسمية إجابات عن هذه الأسئلة، ولا تحدد حجم التراكمات أو كلفتها أو المدة اللازمة لإنهائها.

وتزداد المشكلة وضوحاً مع تراجع الإيرادات العامة من نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011 إلى أقل من 5%، وفق البنك الدولي. وفي ظل هذه الفجوة، تبدو كفاءة التحصيل ضرورة مالية، لا إنجازاً إدارياً استثنائياً.

تسويات بلا ضمانات كافية

يرى خبراء اقتصاديون أن إغلاق الملفات القديمة يمكن أن يخفف عدم اليقين لدى المستثمرين، ويتيح للدولة تحديد حقوقها المالية. لكن نجاح الخطة لا يُقاس بعدد الملفات التي تُغلق، بل بقيمة المبالغ المحصلة، وعدالة التسويات، وقدرة الإدارة على منع التهرب والتقديرات الانتقائية.

ويحذر الخبير الاقتصادي فراس شعبو من استنزاف الموارد في متابعة ديون قديمة ضئيلة القيمة، بعضها يعود إلى عقود مضت، وتجاوزت كلفة تحصيله المحتملة قيمته الفعلية. كما يشير إلى ملفات غير قابلة للتحصيل بسبب وفاة مكلفين أو انتهاء شركات، وأخرى عالقة أمام القضاء. ويقترح تصنيفها، وإعادة هيكلة المستحقات، واعتماد التسويات والتقسيط وفق معايير واضحة.

غير أن منح صلاحيات التسوية أو شطب الديون يفتح باباً حساساً للمحاباة وسوء الاستخدام إذا غابت الرقابة والإفصاح، خصوصاً مع إقرار الخبراء بأن تجارب تسوية سابقة انتهت إلى عدم التزام بعض المكلفين بالسداد. وهنا لا تكفي الدعوة إلى الحد من التقديرات الشخصية؛ المطلوب آليات معلنة تضمن عدم تحول التسوية إلى امتياز لكبار المكلفين على حساب غيرهم.

إصلاح يبدأ بمحاسبة الإدارة

دعا صندوق النقد الدولي إلى تطوير الإدارة الضريبية والجمركية، فيما أشار تقييم فني أُجري في حزيران 2026 إلى ثغرات في الحوكمة والموارد البشرية والتحول الرقمي وجودة البيانات والامتثال الضريبي، واقترح خطة إصلاح تمتد 24 شهراً.

لكن تحديث التشريعات وأتمتة الدفع لن يعالجا وحدهما خللاً إدارياً تراكم لسنوات. فقبل مطالبة المكلفين بتسوية التزاماتهم، تحتاج الحكومة إلى كشف أسباب التأخير، ونشر أعداد الملفات وقيمها ومراحل إنجازها، وتحديد المسؤوليات عن تعطيلها. أما إغلاقها على الورق، من دون تحصيل فعلي ورقابة ومساءلة، فلن يكون إصلاحاً للنظام الضريبي، بل ترحيلاً منظماً لفشل الإدارة إلى مرحلة جديدة.

 

اقرأ أيضاً: موازنة تُموَّل من جيوب السوريين.. هل أصبحت الرسوم والضرائب غير المباشرة ركيزة الخزينة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.