الاقتصاد غير الرسمي في سوريا يصل إلى 70%.. كيف يضاعف الغلاء والتضخم 5 مرات؟
يتسع الاقتصاد غير الرسمي في سوريا (اقتصاد الظل) بصورة تهدد قدرة الحكومة على ضبط الأسواق ومواجهة التضخم، في وقت تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الأنشطة التي تجري خارج المنظومة الرسمية تمثل ما بين 62 و70 بالمئة من إجمالي النشاط الاقتصادي، ما يحرم الدولة من جزء كبير من الإيرادات الضريبية ويزيد من صعوبة مراقبة حركة الأموال والسلع والخدمات.
ولا تقتصر تداعيات اقتصاد الظل في سوريا على التهرب الضريبي وضعف الرقابة، بل تمتد إلى تفاقم ارتفاع الأسعار وتضخيم أثر الأزمات العالمية على السوق المحلية. وبحسب تقديرات أستاذ الاقتصاد الدكتور فراس شعبو، فإن الاقتصاد غير الرسمي يضاعف تأثير الصدمات التضخمية الخارجية على الاقتصاد السوري بنحو خمسة أضعاف.
وتأتي هذه المؤشرات في ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والنقل، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، ما يطرح تساؤلات بشأن أسباب استمرار التضخم في سوريا ودور الاقتصاد الموازي في تعميق أزمة الغلاء.
ما حجم الاقتصاد غير الرسمي في سوريا؟
قدّر أستاذ الاقتصاد الدكتور فراس شعبو حجم الاقتصاد غير الرسمي في سوريا بما يتراوح بين 62 و70 بالمئة من إجمالي النشاط الاقتصادي، معتبراً أن الأنشطة خارج المنظومة الرسمية باتت تشكل قوة مؤثرة في حركة الاقتصاد والأسواق.
وأوضح شعبو، في حديث لصحيفة «الوطن» السورية، أن التضخم في سوريا ينتج عن مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، ولا يمكن ربطه بسبب واحد، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية والسلع الأساسية وتكاليف النقل والشحن عالمياً يمثل أحد أبرز مصادر التضخم المستورد.
لكن خصوصية الاقتصاد السوري، وفق شعبو، تكمن في اتساع الأنشطة غير الرسمية، التي تزيد من تأثير الصدمات الخارجية وتجعل انتقال ارتفاع التكاليف العالمية إلى أسعار السوق المحلية أكثر حدة.
ويعني ذلك أن الاقتصاد غير الرسمي لم يعد مجرد مشكلة تتعلق بعدم تسجيل المنشآت أو التهرب من الضرائب، بل أصبح عاملاً مؤثراً في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد ومراقبة الأسعار وتوجيه السياسات المالية والنقدية.
أربعة أشكال للاقتصاد الموازي في سوريا
يتخذ الاقتصاد غير الرسمي في سوريا أشكالاً متعددة، ولا يقتصر على التجارة غير المرخصة، إذ حدد شعبو أربعة أنماط رئيسية لهذا النشاط:
- المشروعات والمنشآت غير المسجلة: وتشمل الورش والأعمال الصغيرة والمشروعات التي لا تسجل لدى البلديات أو الجهات الضريبية، ولا تعمل ضمن الأطر التنظيمية الرسمية.
- اقتصاد الظل والتهرب الضريبي: ويشمل منشآت مسجلة رسمياً لكنها لا تفصح عن كامل إيراداتها وأرباحها، ما يؤدي إلى إخفاء جزء من نشاطها عن الجهات الحكومية.
- التهرب التنظيمي والمالي: ويتمثل في الحوالات والتعاملات المالية التي تجري خارج القنوات الرسمية والمصرفية الخاضعة للرقابة.
- الاقتصاد غير المشروع: ويشمل أنشطة مثل التهريب وتمويل الإرهاب وتجارة الكبتاغون وغيرها من الأنشطة المخالفة للقوانين.
ويؤدي تنوع هذه الأنشطة إلى صعوبة حصر حجم الاقتصاد الموازي، فضلاً عن تعقيد عمليات الرقابة المالية والضريبية وتتبع حركة الأموال والسلع داخل السوق السورية.
لماذا يضاعف اقتصاد الظل التضخم في سوريا 5 مرات؟
تتمثل إحدى أبرز تداعيات الاقتصاد غير الرسمي في زيادة تأثير الصدمات التضخمية الخارجية على الأسعار المحلية.
وبحسب دراسة تناولت محددات التذبذب التضخمي خلال الفترة 2010–2025، أشار شعبو إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يضاعف أثر الصدمات التضخمية الخارجية على الاقتصاد السوري بنحو خمسة أضعاف.
وتفسر هذه النتيجة، وفق طرحه، سبب تحول ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية والمواد الأولية وتكاليف الشحن عالمياً إلى موجات غلاء أكثر حدة داخل سوريا.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل، أبرزها ضعف الرقابة على الأسواق، واتساع التعاملات خارج القنوات الرسمية، وصعوبة تتبع تكاليف الاستيراد الحقيقية، فضلاً عن الاحتكار والمضاربة وضعف المنافسة.
كما أن غياب البيانات الدقيقة عن حركة السلع والأموال يحد من قدرة الجهات المعنية على تحديد أسباب ارتفاع الأسعار والتدخل لمعالجة الاختلالات في الوقت المناسب.
البنك الدولي والعمل الدولية: مؤشرات على اتساع الاقتصاد غير الرسمي
تتوافق التحذيرات بشأن اتساع الاقتصاد غير الرسمي في سوريا مع مؤشرات وردت في تقارير مؤسسات دولية.
فقد أشار البنك الدولي، في تقييمه للاقتصاد السوري لعام 2025، إلى تنامي الطابع غير الرسمي والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة خلال سنوات النزاع، بالتزامن مع تراجع القاعدة الإنتاجية واستمرار الضغوط المالية وضعف الإيرادات العامة.
كما أظهرت دراسة لمنظمة العمل الدولية أن نحو 92 بالمئة من المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في سوريا كانت تعمل ضمن القطاع غير الرسمي، وفق تقديرات عام 2021.
ويجب التمييز بين المؤشرين؛ إذ تتعلق نسبة 92 بالمئة بوضع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ولا تعني أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل النسبة نفسها من الناتج المحلي الإجمالي.
وتعكس هذه المعطيات حجم التحديات التي تواجه تنظيم النشاط الاقتصادي وتوسيع قاعدة المنشآت المسجلة والخاضعة للرقابة الحكومية.
لماذا ترتفع الأسعار بسرعة في سوريا ولا تنخفض بالوتيرة نفسها؟
إلى جانب تأثير الاقتصاد الموازي، تعاني الأسواق السورية من عدم تماثل الاستجابة للتغيرات السعرية، بحسب شعبو.
فعندما ترتفع الأسعار العالمية للسلع والطاقة، تنتقل الزيادة بسرعة إلى الأسواق المحلية، بينما لا تنعكس الانخفاضات الخارجية بالسرعة والقوة نفسيهما على أسعار المستهلكين.
وأشار شعبو إلى أن متوسط استمرار أثر الصدمة التضخمية يصل إلى نحو أربعة أشهر، وفق النتائج التي عرضها، ما يعني أن تراجع الأسعار العالمية لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري ومماثل في السوق السورية.
وتزيد هذه المشكلة من الضغوط على المستهلكين، خصوصاً في ظل ضعف المنافسة وصعوبة مراقبة تكاليف الاستيراد وتعدد العوامل المؤثرة في تحديد الأسعار.
كيف يصعب الاقتصاد غير الرسمي قياس الناتج المحلي السوري؟
لا تقتصر آثار اقتصاد الظل على زيادة التضخم والتهرب الضريبي، بل تمتد إلى إضعاف قدرة الدولة على قياس حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وأوضح شعبو أن غياب البيانات الشاملة عن المنشآت غير المسجلة والتعاملات التي لا تمر عبر القنوات المصرفية والضريبية يجعل تقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي مهمة معقدة.
ومن المؤشرات التي يمكن الاستفادة منها في قياس هذا النشاط:
- تقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية.
- حجم التعاملات النقدية خارج النظام المصرفي.
- أنماط الاستهلاك ومستويات الإنفاق.
- التفاوت بين الدخول المعلنة ومستويات النشاط الاقتصادي.
- تعدد أسعار الدولار في السوق السورية.
وفي السياق نفسه، أوصى صندوق النقد الدولي، في مراجعته للحسابات القومية السورية عام 2025، بتحسين تغطية الاقتصاد غير المرصود وتوسيع التقديرات لتشمل المناطق التي لا تتوافر عنها بيانات حكومية كافية.
كما نبهت المراجعة إلى أن ضعف المسوح الإحصائية ونقص المعلومات يؤثران في دقة قياس الناتج المحلي الإجمالي ومكوناته.
ما الحلول المقترحة لمواجهة التضخم في سوريا؟
يرى شعبو أن مواجهة التضخم في سوريا تتطلب إجراءات استباقية للتعامل مع الصدمات الخارجية، بدلاً من انتظار ارتفاع الأسعار ثم محاولة احتواء تداعياتها.
ومن أبرز المقترحات التي طرحها:
- استخدام العقود الآجلة: لشراء النفط والمواد الأساسية مسبقاً، بما يساعد على تثبيت تكاليف الإمدادات المستقبلية والحد من مخاطر تقلب الأسعار العالمية.
- تكوين احتياطيات استراتيجية: من الطاقة والمواد الأساسية لاستخدامها عند حدوث اضطرابات في الأسواق الدولية.
- إبرام اتفاقيات تعاون دولية: لضمان استقرار الإمدادات وتخفيف آثار الأزمات الخارجية على السوق السورية.
- توسيع الاقتصاد الرسمي: من خلال تسهيل تسجيل المنشآت والأنشطة التجارية وإدخالها ضمن الأطر التنظيمية.
- تنظيم التعاملات المالية: وتعزيز الرقابة على الحوالات والتدفقات النقدية والحد من التعاملات غير الخاضعة للرقابة.
- مكافحة التهرب الضريبي والاحتكار: وتحسين المنافسة والشفافية في الأسواق.
وتشير هذه المقترحات إلى أن مواجهة التضخم لا تعتمد فقط على تأمين السلع والطاقة بأسعار مستقرة، بل تتطلب أيضاً معالجة الاختلالات الداخلية التي تزيد من حدة انتقال الأزمات العالمية إلى المستهلك السوري.
هل يستطيع الاقتصاد السوري الخروج من دائرة اقتصاد الظل؟
تكشف تقديرات وصول الاقتصاد غير الرسمي إلى ما بين 62 و70 بالمئة من إجمالي النشاط الاقتصادي عن تحدٍ يتجاوز الجوانب الضريبية والإدارية، ليصل إلى صميم قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وضبط الأسواق.
فكلما توسعت الأنشطة خارج المنظومة الرسمية، تراجعت قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات ورصد حركة الأموال والسلع وقياس النشاط الاقتصادي الحقيقي، كما أصبحت السياسات المالية والنقدية أقل قدرة على الاستجابة الفعالة للتغيرات.
وفي ظل استمرار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو معالجة اقتصاد الظل أحد الملفات الأساسية لتحسين كفاءة الاقتصاد السوري، والحد من تأثير الصدمات الخارجية على الأسعار.
لكن نجاح هذه المعالجة يرتبط بقدرة الحكومة على توفير بيئة مناسبة لتسجيل الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، إلى جانب مكافحة التهرب الضريبي والأنشطة غير المشروعة.
وبذلك، لا تقتصر معركة مواجهة الغلاء في سوريا على خفض تكاليف الاستيراد أو احتواء ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، بل تشمل أيضاً إعادة تنظيم الاقتصاد وتوسيع نطاق النشاط الرسمي، بما يعزز قدرة الدولة على ضبط الأسواق والحد من التضخم وتحسين الظروف المعيشية.
إقرأ أيضاً: ارتفاع تكاليف المعيشة في سوريا يغيّر سلوك المستهلكين ويعيد تشكيل الأسواق المحلية
إقرأ أيضاً: تفكيك خارج القانون: كيف تحوّل سوق السيارات القديمة في سوريا إلى اقتصاد الظل