أدلجة الأطفال أم حرية الاعتقاد؟.. نقاشات واسعة إثر توزيع الحجاب في مدارس دوما
أثار تداول مقطع مصور يوثّق عملية توزيع الحجاب على طالبات مدرسة “عائشة أم المؤمنين” بمدينة دوما، ضمن حملة تُنسب إلى إدارة التعليم التأسيسي الشرعي التابعة لوزارة الأوقاف السورية، نقاشات محتدمة حول حدود التوجيه الديني داخل المؤسسات التعليمية.
وتطرح هذه الحادثة، بحسب تقرير للمرصد السوري، تساؤلات جوهرية بشأن مدى احترام استقلالية الأطفال، وحقهم في تكوين قناعاتهم الشخصية بعيداً عن أي ضغوط أو إكراه.
سياق الحادثة والإشكالية الحقوقية
تُظهر المشاهد المصورة توزيع الحجاب على طالبات داخل المدرسة، في خطوة أعادت تسليط الضوء على مخاطر توظيف البيئة التعليمية لترسيخ توجهات دينية واجتماعية محددة لدى أطفال لا تزال شخصياتهم وقناعاتهم في طور التكوين، وتفتقر قدرتهم على التمييز واتخاذ القرارات المستقلة إلى النضج الكامل.
ولا تكمن الإشكالية الحقوقية هنا في توزيع الحجاب بحد ذاته، ولا في حق الفتيات في ارتدائه كخيار ديني وشخصي، بل تتصل ارتباطاً وثيقاً بالسياق الذي تجري فيه هذه المبادرات، والجهات القائمة عليها، ومدى طوعية مشاركة الطالبات، وطبيعة الرسائل المباشرة أو غير المباشرة التي تحملها بشأن المظهر المقبول دينياً واجتماعياً داخل الحرم المدرسي.
المدرسة بين التعليم وبناء القناعات.. مخاوف “الأدلجة”
تُعتبر مرحلة الطفولة المحطة الأشد حساسية في بناء الشخصية وتشكيل الوعي؛ إذ تترسخ خلالها القيم والتصورات، ويتأثر الأطفال بشكل عميق بمحيطهم والمؤسسات التي تمثل مصادر للمعرفة والسلطة والتوجيه، وفي مقدمتها المدرسة والمعلمون.
ولهذا السبب، تكتسب الأنشطة ذات الطابع الديني أو الفكري حساسية استثنائية؛ فالطفل قد لا ينظر إليها كمبادرات اختيارية، بل يراها توجيهات صادرة عن مؤسسة تعليمية رسمية، مما يضعف قدرته على الرفض أو اتخاذ موقف مغاير. وتبرز مخاطر الأدلجة عندما تتجاوز العملية التعليمية مجرد التعريف بالأديان والقيم، إلى دفع الأطفال نحو تبني تصور أحادي بوصفه الحقيقة الوحيدة، أو ربط الالتزام بمظاهر محددة بالانضباط والسلوك الجيد، مقابل تصوير الخيارات الأخرى بصورة سلبية.
ومع أن الأنشطة الدينية لا تشكل بذاتها انتهاكاً أو أدلجة، إلا أن غياب ضمانات حرية الاختيار، وفرض أنماط سلوكية أو مظهرية معينة، أو استخدام السلطة التربوية للتأثير على الأطفال، يحول التوجيه إلى ضغط فكري واجتماعي. وتتضاعف خطورة هذه الممارسات حين تتحول إلى نهج متكرر يقوض استقلالية التفكير النقدي وقبول التعددية لدى النشء.
الحجاب وحرية الاختيار.. أين تفصيل الحقوق؟
-
استقلالية الخيار: لا يعد توزيع الحجاب انتهاكاً لحقوق الفتيات أو انتقاصاً من حقهن في التعبير عن معتقداتهن، لكن الإشكالية تبرز حين يتحول إلى وسيلة لفرض نمط لباس محدد، أو يترافق مع ضغوط تربوية واجتماعية وتمييز بين الطالبات على أساس المظهر.
-
حرية الرفض: تعني الحرية الدينية حماية حق الطالبة في ارتداء الحجاب، وتشمل بالقدر ذاته حقها في عدم ارتدائه، بمنأى عن أي تنمر أو توبيخ أو إقصاء، ودون أن يمس ذلك بحقها في التعليم أو بطبيعة تعامل الإدارة المدرسية معها.
-
موقف أولياء الأمور: مع أهمية موافقة الوالدين في القرارات المتعلقة بالأطفال، إلا أنها لا ينبغي أن تلغي حق الطفل في التعبير عن رأيه، مع مراعاة قدراته المتطورة ومستوى نضجه وفقاً لمعايير حقوق الطفل.
الإطار القانوني والمواثيق الدولية
تستند هذه الإشكالية إلى منظومة من القوانين والمواثيق التي ترسم حدود حماية حقوق الأطفال:
-
اتفاقية حقوق الطفل: تكفل المادة 14 حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين (مع مراعاة توجيه الوالدين وفق القدرات المتطورة)، وتؤكد المادة 3 على أن مصلحة الطفل الفضلى اعتبار أساسي، بينما تنص المادة 12 على حق الطفل في التعبير عن آرائه بحرية وفقاً لعمره ونضجه. كما تشدد المادة 28 على إدارة الانضباط بما يحفظ كرامة الطفل، وتؤكد المادة 29 على دور التعليم في تنمية الشخصية وتعزيز حقوق الإنسان والتسامح.
-
الإعلان الدستوري السوري (13 آذار/مارس 2025): تنص المادة الثالثة على صون حرية الاعتقاد، وتؤكد المادتان 12 و22 التزامات الدولة بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحقوق الأطفال.
مسؤولية الدولة وضمانات حماية التنوع
تتحمل الجهات الحكومية، لاسيما وزارتا التربية والأوقاف، مسؤولية صون حقوق الأطفال داخل المدارس، ووضع ضوابط صارمة للأنشطة الدينية والتوعوية تحول دون استغلال السلطة التربوية أو حاجة الطلاب للتعليم في توجيه معتقداتهم قسراً. كما تبرز حاجة ماسة للفصل بين ممارسة الشعائر وبين استخدام المؤسسات التعليمية لفرض توجهات أيديولوجية، لتظل المدرسة مساحة آمنة تحتضن التنوع وترفض التمييز.
تساؤلات ملحة حول الحملة
تستوجب هذه الواقعة إيضاحات رسمية من الجهات المعنية حول طبيعة الحملة والجهة المشرفة عليها، والأسس القانونية لتنفيذها داخل المدارس، ومدى طوعية مشاركة الطالبات وآليات أخذ آرائهن. كما تتطلب كشف دور وزارة التربية في الرقابة على الأنشطة الخارجية، والضمانات المعتمدة لمنع الضغط أو التمييز ضد الطالبات اللواتي لا يرغبن في المشاركة أو ارتداء الحجاب.
إن الحماية الحقيقية للأطفال تتجاوز توفير المقاعد والكتب الدراسية، لتشمل حماية عقولهم وكرامتهم وحقهم في التفكير المستقل، بعيداً عن التلقين والإكراه، لتظل المدرسة مؤسسة تنمية وبناء معرفي لا أداة لفرض القناعات.
اقرأ أيضاً:من الحجاب إلى الكحول.. كيف تغيرت الحياة الاجتماعية في سوريا بعد سقوط الأسد؟
اقرأ أيضاً:سلطة الجدران في مواجهة الدولة: حملات الحجاب والشعارات الدينية تثير الجدل في دمشق