أسعار الغذاء في سوريا تلتهم دخول الأسر.. تجار يسعّرون الدولار والحكومة تراقب تآكل القدرة الشرائية
تتراجع قدرة الأسر السورية على تأمين احتياجاتها الغذائية مع موجة ارتفاعات جديدة طالت السلع الأساسية في الأسواق، من السكر والأرز والزيوت إلى البقوليات والخضار والفواكه. وفي بلد تتسع فيه الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، تتحول فاتورة الغذاء تدريجياً إلى عبء يستنزف معظم الدخل، فيما تبدو السياسات الحكومية عاجزة عن كبح الزيادات أو توفير بيئة تسعير مستقرة.
وسجلت جولة ميدانية في أسواق دمشق ارتفاعاً تراوح بين 20 و30 بالمئة في أسعار بعض المواد خلال أسابيع قليلة. وبلغ سعر كيلو السكر 120 ليرة، وليتر الزيت النباتي 300 إلى 350 ليرة، والسمن نحو 350 ليرة، فيما وصل الحمص إلى 250 ليرة، والأرز إلى 180–220 ليرة، والعدس إلى 135–150 ليرة، والبرغل إلى 100 ليرة.
الدولار يفرض سعره على رفوف الأسواق
تكشف شكاوى بائعي المفرق في سوق باب سريجة عن جانب إضافي من اضطراب التسعير؛ إذ قال عدد منهم إن بعض تجار الجملة يحتسبون الدولار عند 190 ليرة، مقابل نحو 144 ليرة في السوق الموازية خلال الأيام الماضية. وهذا الفارق لا يمكن تفسيره تلقائياً باعتباره هامشاً احترازياً مشروعاً، إذ يفتح الباب أمام تساؤلات عن آليات التسعير والرقابة، وعن الجهة القادرة على ضبط الفجوة بين سعر الشراء والسعر الذي يتحمله المستهلك.
ويشرح الخبير الاقتصادي علي محمد أن بعض المستوردين يلجؤون إلى ما يسمى “سعر الصرف التحوطي”، تحسباً لتقلبات الليرة وتكاليف الاستيراد، وقد يزيد هذا السعر بنحو 10 إلى 15 بالمئة على السعر الموازي. لكن تحويل المخاطر المتوقعة إلى زيادات فورية في الأسعار يضع المستهلك أمام فاتورة يدفعها مسبقاً، من دون ضمان أن تنخفض الأسعار إذا تحسنت الظروف لاحقاً.
أسباب معروفة ومعالجة غائبة
ويربط المحلل الاقتصادي شادي سليمان موجة الغلاء بتراجع قيمة الليرة، وارتفاع تكاليف المحروقات والنقل، وتقلبات الأسعار العالمية، إلى جانب التغيرات الموسمية في الإنتاج الزراعي. وهي عوامل متداخلة، لكن أثرها يتفاقم في سوق تفتقر إلى استقرار نقدي ورقابة فعالة ومنافسة كافية.
وتبدو استجابة الجهات المعنية محصورة غالباً في الدعوات إلى ضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار، من دون أن تظهر في المادة إجراءات محددة تضمن شفافية التسعير أو تحد من تعدد أسعار الصرف التي يعتمدها التجار. فمراقبة الأسعار وحدها لا تكفي إذا بقيت تكاليف الاستيراد والنقل غير مستقرة، وإذا غابت البيانات التي تتيح تتبع هوامش الربح ومساءلة المخالفين.
الغذاء يزاحم بقية احتياجات الأسرة
تنعكس هذه الزيادات مباشرة على نمط الاستهلاك؛ إذ تقلص الأسر الكميات، وتستبدل بسلع أقل جودة، وتؤجل مشتريات أخرى لتأمين الطعام. ومع تراكم الإيجارات والفواتير والنقل والطبابة والتعليم، يصبح تحسين التغذية أو الحفاظ على تنوعها امتيازاً يتراجع أمام متطلبات البقاء اليومية.
ولا تبدو توقعات الأسعار مطمئنة في ظل استمرار تقلبات الصرف وكلفة الاستيراد والشحن. أما الحديث عن تحسن محتمل، فيظل مشروطاً باستقرار نقدي وزيادة المعروض وخفض تكاليف الإنتاج والنقل، إلى جانب رقابة فعلية لا تكتفي بتسجيل المخالفات. فالمشكلة لم تعد في معرفة أسباب الغلاء؛ معظمها معروف ومتكرر، وإنما في غياب سياسة اقتصادية قادرة على منع انتقال كل اضطراب إلى جيب المواطن، فيما تستمر الأسرة وحدها في دفع ثمن اختلالات السوق وضعف إدارة الملف المعيشي.
اقرأ أيضاً: لماذا ترتفع الأسعار في سوريا رغم تراجع القدرة الشرائية؟ 5 أسباب وراء استمرار الغلاء