استثمارات بمليارات الدولارات في سوريا.. من يجني الثمار؟ الشركات الأجنبية تتصدر والمشاركة المحلية محدودة

تشهد سوريا تحركات استثمارية متزايدة بمشاركة شركات سعودية وخليجية وتركية وأوروبية، تستهدف قطاعات حيوية تشمل الاتصالات والطيران والكهرباء والنقل والسكك الحديدية والموانئ والمياه، من خلال مجموعة من الاتفاقيات والعقود والمشاريع التي تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.

وكشف تقرير نشره موقع «EnterpriseAM» عن تفاصيل أبرز الاستثمارات الأجنبية في سوريا، متناولاً قيمة المشاريع المعلنة، وحصص الشركات المشاركة، وحقوق الملكية والتشغيل، إلى جانب مراحل التنفيذ والتحديات التي تواجه دخول الاستثمارات إلى السوق السورية.

وتتوزع هذه المشاريع بين استثمارات سعودية في الاتصالات والطيران والبنية التحتية، ومشاريع إماراتية وقطرية في الموانئ والمطارات، إضافة إلى مساهمات تركية وأوروبية في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية.

مشروع SilkLink للاتصالات باستثمارات تبلغ 3 مليارات ريال سعودي

يأتي مشروع SilkLink للاتصالات في مقدمة الاستثمارات السعودية المعلنة في سوريا، بقيمة تصل إلى 3 مليارات ريال سعودي، ويستهدف إنشاء شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر.

ويتضمن المشروع إنشاء مراكز بيانات ومحطات إنزال للكابلات البحرية الدولية، بما يعزز البنية التحتية الرقمية في سوريا ويدعم ربط شبكات الاتصالات بالأسواق العربية والآسيوية والأوروبية.

وبحسب التقرير، تمتلك شركة الاتصالات السعودية STC نسبة 75% من الشركة المنفذة للمشروع، مقابل 25% للصندوق السيادي السوري.

ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد الاستثمارات الاستراتيجية في قطاع الاتصالات، نظراً لدوره المتوقع في تطوير خدمات الإنترنت ونقل البيانات وتعزيز الربط الرقمي الإقليمي.

استثمارات سعودية بقيمة 7.5 مليارات ريال لتطوير مطار حلب

وفي قطاع الطيران، تخطط شركة «إيلاف» لاستثمار نحو 7.5 مليارات ريال سعودي في مشروع تطوير مطار حلب، الذي يتضمن إنشاء مطار جديد وتحديث المطار الحالي، مع استمرار تشغيله خلال فترة تنفيذ الأعمال.

كما يشمل المشروع تمويل نظام رادار متكامل للملاحة الجوية، في إطار خطة لتطوير البنية التحتية للطيران المدني ورفع القدرة التشغيلية للمطار.

ووفقاً للتقرير، من المتوقع بدء أعمال تطوير المطار الحالي مطلع عام 2027، على أن تستهدف المرحلة الأولى رفع طاقته الاستيعابية إلى أكثر من مليوني مسافر سنوياً.

وفي السياق نفسه، تستعد شركة طيران ناس السعودية لدخول السوق السورية من خلال تأسيس شركة «طيران ناس سوريا»، التي تستحوذ فيها على 49% من الأسهم، مقابل 51% للهيئة العامة للطيران المدني السورية.

وتشير الخطط المعلنة إلى استهداف بدء تشغيل الشركة خلال الربع الأخير من عام 2026، دون إعلان ترتيبات مشتركة حتى تاريخ نشر التقرير بشأن اعتماد مطار حلب مركزاً رئيسياً لعملياتها أو تنسيق أنشطة الشحن الجوي.

مشاريع سعودية وتركية لتطوير السكك الحديدية والطرق في سوريا

ويمتد التعاون الاستثماري إلى قطاع النقل والسكك الحديدية، حيث يتضمن التقرير خططاً سعودية وتركية لإنشاء مسار للقطارات يربط المنطقة بأوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا، ضمن جدول زمني مستهدف يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات.

ويواجه المشروع تحديات تتعلق باستكمال البنية التحتية، أبرزها الحاجة إلى إنشاء نحو 400 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية المفقودة بين سوريا والأردن.

كما تستثمر تركيا نحو 100 مليون دولار في إعادة تأهيل خطوط الربط السككي شمال سوريا باتجاه حلب ودمشق، في حين لم تُعلن حتى الآن خطة تمويل شاملة للمسار الإقليمي المقترح.

وكانت السعودية وسوريا قد وقعتا أربع مذكرات تفاهم خلال أغسطس الماضي، تشمل مجالات الطرق والسكك الحديدية والطيران المدني والخدمات البريدية، مع تحديد فترة ستة أشهر لإعداد خطة تنفيذية للمشاريع.

وفي قطاع الطرق، حصلت شركة الرواف السعودية، بالتعاون مع شركة القنواتي السورية، على عقد بقيمة 300 مليون دولار لإعادة تأهيل طريق دمشق وتدمر ودير الزور، بما يعزز الربط بين العاصمة والمنطقة الشرقية والطرق المؤدية إلى العراق.

استثمارات بقيمة 60 مليون دولار لتطوير قطاع الكهرباء السوري

يحظى قطاع الكهرباء بحصة من الاستثمارات الأجنبية الموجهة إلى سوريا، في ظل الحاجة إلى تحديث شبكات النقل والتحكم ورفع كفاءة منظومة الطاقة.

وأشار تقرير «EnterpriseAM» إلى ارتفاع إنتاج الكهرباء في سوريا إلى نحو 3.5 غيغاواط، مقارنة بنحو 915 ميغاواط عند تولي السلطات الجديدة مهامها، بالتزامن مع إعادة تأهيل نحو 8% من منظومة نقل الكهرباء.

وتشمل المشاريع المدعومة سعودياً إنشاء برمجيات متخصصة وغرفة تحكم لشبكة الكهرباء السورية، بموجب عقد تقدر قيمته بنحو 60 مليون دولار.

كما أشار التقرير إلى وجود عقود لبيع الكهرباء تمتد حتى 25 عاماً مع شركة الحرفي، إلى جانب حقوق تشغيل مرتبطة بأصول صناعية سورية لشركة كابلات الرياض.

استثمارات إماراتية وقطرية في موانئ سوريا ومطار دمشق

ولا تقتصر الاستثمارات الأجنبية في سوريا على الشركات السعودية، إذ يشهد قطاع الموانئ والمطارات مشاركة شركات دولية وخليجية في مشاريع طويلة الأجل لتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

وفي ميناء اللاذقية، جددت شركة CMA CGM الفرنسية امتياز تشغيل محطة الحاويات لمدة 30 عاماً، مع توسيع نشاطها لاحقاً ليشمل الموانئ الجافة السورية.

أما ميناء طرطوس، فقد حصلت شركة موانئ دبي العالمية DP World على امتياز مستقل لمدة 30 عاماً، ضمن مشروع تبلغ قيمته الاستثمارية 800 مليون دولار، وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية.

وفي قطاع الطيران، يتضمن التقرير مشروعاً لتطوير مطار دمشق الدولي تقوده مجموعة استثمارية بمشاركة شركات قطرية، بقيمة إجمالية تصل إلى 4 مليارات دولار.

وتعكس هذه المشاريع اهتمام الشركات الخليجية والدولية بقطاعات النقل والموانئ والخدمات اللوجستية، باعتبارها من الركائز الأساسية لإعادة تأهيل البنية التحتية السورية.

تسهيلات ضريبية لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى سوريا

وفي إطار مساعي جذب رؤوس الأموال الأجنبية، أشار التقرير إلى مجموعة من الحوافز والتسهيلات الاستثمارية المتاحة في سوريا، تشمل تخفيضات ضريبية تصل إلى 80%، وإمكانية التملك الأجنبي بنسبة 100%، والسماح باستخدام العمالة الأجنبية بنسبة تصل إلى 40%.

لكن هذه الحوافز أثارت نقاشات حول انعكاساتها على الإيرادات العامة للدولة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع المستثمرين وحماية الموارد المالية.

ونقل التقرير عن مدير شبكة الدراسات التشريعية السورية، Hadoun Barth، أن هذه التسهيلات قد تؤدي إلى تقليص الإيرادات العامة التي يمكن تحصيلها من مشاريع إعادة الإعمار.

كما نقل عن الباحث John Calabrese من الجامعة الأمريكية في واشنطن أن نسب الملكية لا تعكس بالضرورة حجم الصلاحيات الإدارية والتشغيلية التي يحصل عليها المستثمرون، إذ تتحدد هذه الحقوق وفق شروط العقود واتفاقيات الشراكة.

الشركات السورية تواجه تحديات في المشاركة بالمشاريع الكبرى

ورغم حجم الاستثمارات والاتفاقيات المعلنة، لا تزال الشركات السورية تواجه مجموعة من العقبات التي تحد من مشاركتها في المشاريع الكبرى، حيث تتركز مساهمتها الحالية بصورة أساسية في أعمال البناء والتوريد.

وفي هذا السياق، قال المدير العام لشركة جاد للخدمات المتحدة، مصطفى أجلياكين، إن ضعف خدمات الإنترنت يمثل أحد التحديات التي تواجه نشاط الشركة، موضحاً أن مركز التوزيع التابع لها في حلب، والبالغة مساحته 4 آلاف متر مربع، يعاني صعوبات في تتبع الشحنات وإدارة المخزون والتواصل مع الشركاء الأجانب.

وأشار إلى وجود مشكلات تتعلق بالإجراءات الإدارية والتراخيص والتخليص الجمركي، مستشهداً بحالة تأخر الإفراج عن بضائع أحد العملاء لأكثر من شهر، رغم توافر مساحات التخزين اللازمة.

كما تحدث عن تكبد أحد العملاء تكاليف حجز مستودعات لأكثر من شهرين، في وقت ظلت فيه شحنته معلقة بسبب إجراءات جمركية وتأخر التنسيق بين الجهات المعنية.

وتسعى الشركة إلى إقامة شراكات مع مؤسسات لوجستية سعودية وخليجية، بهدف توسيع مشاركة الشركات السورية في تشغيل المشاريع الكبرى، وعدم اقتصار دورها على أعمال البناء والتوريد.

الاستثمارات الأجنبية في سوريا.. مشاريع مترابطة وتحديات التنفيذ

وتشير تفاصيل المشاريع التي رصدها التقرير إلى أن الاستثمارات الأجنبية في سوريا ترتبط ببعضها بصورة مباشرة، إذ تعتمد المطارات ومراكز البيانات والمناطق الصناعية ومحطات المياه على توافر الكهرباء والطرق وشبكات الاتصالات والخدمات اللوجستية.

ويتطلب تشغيل هذه المشاريع استكمال مجموعة من البنى التحتية المساندة، تشمل الطرق الفرعية والوصلات الكهربائية والمستودعات والمرافق الجمركية وشبكات الاتصالات، في حين لا تزال بعض هذه الاحتياجات بانتظار تحديد الجهات الممولة وخطط التنفيذ.

وتتفاوت مراحل المشاريع المعلنة بين عقود تشغيل قائمة، واتفاقيات استثمار موقعة، ومشاريع قيد التطوير، وأخرى لا تزال في مراحل الدراسات والتحضير.

وبذلك، يبقى التحدي الأساسي أمام سوريا هو تحويل الاتفاقيات الاستثمارية المعلنة إلى مشاريع منفذة على أرض الواقع، مع تحسين البيئة القانونية والإدارية والخدمية، وتعزيز مشاركة الشركات المحلية في عمليات التشغيل والإدارة، بما يضمن تحقيق عوائد اقتصادية تنعكس على البنية التحتية وفرص العمل ومستوى معيشة السكان.

إقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري في صيف 2026: نمو وهمي بـ 10% وتحديات معيشية وأمنية معقدة

إقرأ أيضاً: إعادة إعمار سوريا بين الاستثمارات الضخمة وتحديات إدارة الصندوق السيادي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.