مدينة الشيخ نجار الصناعية في حلب.. آلاف المنشآت تنتظر الإنتاج وعقبات الاستثمار تتراكم

تبدو الأرقام المعلنة عن مدينة الشيخ نجار الصناعية في حلب كبيرة للوهلة الأولى: 1596 منشأة منتجة، و832 منشأة أخرى لا تزال قيد الإنشاء، ونحو 83 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. لكن هذه المؤشرات لا تحجب واقعاً أكثر تعقيداً؛ إذ لا يزال جزء من المنشآت عاجزاً عن بدء الإنتاج، فيما يواجه الصناعيون تكاليف تشغيل مرتفعة وصعوبات في التمويل وتأمين المواد الأولية واستقرار الخدمات. وتكشف هذه الفجوة أن إعادة تشغيل مدينة صناعية بهذا الحجم تحتاج إلى ما هو أبعد من الإعلان عن أعداد المنشآت وفرص العمل.

منشآت قائمة وإنتاج لم يبدأ

بحسب مدير المدينة الصناعية يوسف فتوح، تضم الشيخ نجار 1596 منشأة منتجة، في حين تتواصل الأعمال الإنشائية في 832 منشأة أخرى. وتتصدر الصناعات النسيجية النشاط بنسبة 39 بالمئة، تليها الهندسية بـ24 بالمئة، والكيميائية بـ18 بالمئة، والغذائية بـ15 بالمئة.

غير أن وجود منشآت مكتملة إنشائياً لا يعني بالضرورة دخولها دورة الإنتاج؛ إذ لا تزال بعض المصانع تنتظر التمويل والتجهيزات والكهرباء والتراخيص، أو تبحث عن ظروف سوق تسمح لها بالعمل. وهذه الفجوة تطرح سؤالاً أساسياً عن جدوى التوسع الإنشائي إذا لم تتوافر بالتوازي شروط التشغيل الفعلي، وعن مدى ارتباط الخطط الاستثمارية بقدرة الصناعيين على الإنتاج والتسويق وتحقيق عائد اقتصادي.

الكهرباء والخدمات.. تحسن لا ينهي الاختناقات

يشير فتوح إلى ارتفاع الاستطاعة الكهربائية المتاحة للمدينة من نحو 45 إلى 90 ميغاواط، مع استمرار الحاجة إلى تطوير الشبكة. كما تتواصل أعمال تأهيل الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي، وقد غطت أعمال التزفيت نحو 100 ألف متر مربع.

لكن مضاعفة التغذية الكهربائية لا تعني انتهاء أزمة الطاقة، خصوصاً مع توسع النشاط الصناعي وارتفاع احتياجات المصانع. وتبقى استمرارية الكهرباء والمياه وجودة الطرق عوامل حاسمة في تحديد كلفة الإنتاج وقدرة المنشآت على الالتزام بمواعيد التوريد. فالصناعة لا تعمل وفق أرقام الاستطاعة المعلنة، وإنما وفق ما يصل فعلياً إلى خطوط الإنتاج، وبانتظام يسمح بتشغيلها دون خسائر إضافية.

الاستثمار يحتاج إلى بيئة إنتاج لا وعود إدارية

يحدد مدير المدينة ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبات التمويل وتأمين المواد الأولية والوصول إلى الأسواق ضمن أبرز العقبات. وهي مشكلات تتجاوز قدرة إدارة المدينة وحدها، وترتبط بالسياسات الاقتصادية والتمويلية والحكومية، ومدى قدرتها على توفير بيئة مستقرة للصناعة.

كما أن تسهيل المعاملات والتحول الرقمي، على أهميتهما، لا يعوضان غياب التمويل أو ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج. ولا يكفي توقيع عقود استثمارية، مثل مشروع المول الصناعي بنظام البناء والتشغيل والتحويل لمدة 25 عاماً، لإثبات تحسن البيئة الاستثمارية ما لم تنعكس هذه المشاريع على كلفة الإنتاج وتوافر المستلزمات.

تحتاج الشيخ نجار إلى خطة تشغيل واضحة، لا تكتفي بإحصاء المنشآت، بل تحدد أسباب تعثر المصانع، وتضع جداول زمنية لمعالجة الاختناقات، وتعلن حجم الاستثمارات المنفذة والوظائف المستحدثة فعلياً. فالمعيار الاقتصادي ليس عدد المصانع التي بُنيت، بل عدد المصانع التي تنتج وتبيع وتوظف وتستطيع الاستمرار. وما عدا ذلك يبقى نشاطاً عمرانياً لا يكفي وحده لإحياء الصناعة في حلب.

 

اقرأ ايضاً: المدن الصناعية السورية تتوسع لاستعادة الإنتاج.. والطاقة والتمويل يحددان فرص النمو

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.