ارتفاع أسعار السجائر والمعسل في دمشق يدفع المدخنين إلى بدائل أرخص
لم تعد أسعار السجائر والمعسل في أسواق دمشق تفصيلاً ثانوياً عند اختيار الأصناف، إذ باتت القدرة الشرائية عاملاً مؤثراً في قرارات المدخنين، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء اليومية على الأسر.
وأظهر رصد أجراه موقع «عنب بلدي» في محال بيع السجائر بدمشق تفاوتاً في أسعار الأصناف المحلية والمستوردة، في وقت تحدث فيه مدخنون عن صعوبة الاستمرار في شراء الأنواع التي اعتادوا عليها، بينما أشار باعة إلى اتجاه شريحة من الزبائن نحو الأصناف الأقل سعراً وتقليل الكميات المشتراة.
ولا تقتصر التحديات على المستهلكين، إذ يشكو بعض الباعة من مصادرة كميات من السجائر الأجنبية خلال حملات تنفذها دوريات الجمارك، الأمر الذي يقولون إنه يسبب خسائر مالية ويثير تساؤلات حول الإجراءات المتبعة ومصير البضائع المصادرة.
أسعار متفاوتة وخيارات أضيق أمام المدخنين
تختلف أسعار السجائر في أسواق دمشق تبعاً للعلامة التجارية والصنف، وتراوحت أسعار علبة «دافيدوف» بين 250 و750 ليرة سورية، و«مارلبورو» بين 180 و550 ليرة، بينما بلغ سعر «وينستون» نحو 250 ليرة، و«كينت» 220 ليرة، و«أوريس» 100 ليرة.
كما تراوحت أسعار «كينج دوم» و«جولواز» بين 100 و130 ليرة، في حين بيعت علبة السجائر المحلية المعروفة باسم «الحمراء» بأسعار تراوحت بين 80 و110 ليرات.
أما المعسل، فتراوحت أسعار أصناف «المزايا» بين 180 و200 ليرة، و«الفاخر الأسود» بين 240 و260 ليرة، بينما بلغ سعر «النخلة» بين 300 و340 ليرة، بحسب الرصد نفسه.
وتنعكس هذه الفوارق على خيارات المستهلكين، إذ يضطر بعضهم إلى تغيير النوع الذي يشتريه أو تقليل استهلاكه، في ظل عدم تناسب الأسعار مع دخولهم.
وقال تحسين الدهان، وهو عامل ورب أسرة من سكان دمشق، لـ«عنب بلدي»، إن الإنفاق على السجائر أصبح عبئاً إضافياً على مصروفه اليومي، مع ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية وعدم مواكبة دخله لهذه الزيادات.
وأضاف أن الأصناف المحلية الأقل سعراً لا تلبي تفضيلاته من ناحية الجودة، ما يجعل الاختيار بين السعر والنوع الذي اعتاد عليه أكثر صعوبة.
من جهته، أوضح المدخن علاء درويش أن ارتفاع أسعار المعسل دفعه إلى تقليل تدخين الأركيلة، مشيراً إلى أن الأسعار باتت تفوق قدرته الشرائية.
وقارن درويش أسعار بعض الأصناف المتداولة في سوريا بنظيراتها في دول أخرى، مطالباً بخفض الأسعار، ولا سيما مع تجاوز سعر بعض أنواع المعسل 250 ليرة، وفق الأرقام التي أوردها.
الدولار وتكاليف الاستيراد في تحديد الأسعار
في سوق البيع بالتجزئة، يقول باعة إن السعر بات عاملاً حاسماً في قرارات الزبائن، مع تراجع قدرة كثيرين على شراء الأصناف التي اعتادوا عليها.
وقال مروان السبع، وهو صاحب محل لبيع السجائر في دمشق، لـ«عنب بلدي»، إن الزبائن باتوا يستفسرون عن الأسعار قبل تحديد النوع، وإن بعضهم يتجه إلى السجائر المحلية بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بعدد من الأصناف المستوردة.
وأضاف أن نمط الشراء تغير خلال العام الأخير، إذ بات بعض المدخنين يكتفون بشراء علبة واحدة بدلاً من عدة علب، ويقللون مرات التدخين لتخفيف النفقات.
بدوره، قال بائع للسجائر والمعسل، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن تسعير الأصناف المستوردة يبدأ لدى التجار الذين يتولون استيرادها وتخزينها، موضحاً أن حساب تكلفتها يرتبط بسعر الشراء بالدولار وسعر الصرف المعتمد عند البيع.
وبيّن أن المستوردين يوزعون البضائع على تجار الجملة، الذين يبيعونها بدورهم لمحال التجزئة، لتتحدد الأسعار النهائية عبر مراحل التوريد المختلفة.
وبحسب البائع، فإن تغير سعر صرف الدولار ينعكس على قيمة البضائع المستوردة بالليرة السورية، إلى جانب تكاليف الاستيراد والتوزيع وهوامش البيع. ويعني ذلك أن تغيرات الأسعار لا ترتبط بالطلب وحده، بل تتأثر أيضاً بتكاليف وصول المنتجات إلى السوق.
مصادرات الجمارك تزيد الضغوط على الباعة
يشكو أصحاب محال وبسطات في دمشق من حملات تنفذها دوريات الجمارك بصورة متقطعة، وتُصادر خلالها كميات من السجائر الأجنبية، بحسب إفادات باعة تحدثوا إلى «عنب بلدي».
وقال أحد الباعة إن مصادرة البضائع قد تسبب خسائر مالية كبيرة، تصل، وفق تقديره، إلى آلاف الدولارات، مشيراً إلى عدم وضوح مصير بعض الكميات المصادرة بالنسبة إلى التجار المتضررين.
وتفتح هذه الشكاوى تساؤلات بشأن الوضع القانوني للأصناف المتداولة، ومدى استيفائها الشروط الجمركية، والإجراءات التي تُتخذ بحق البضائع المصادرة، وهي مسائل لم تتضح تفاصيلها من خلال إفادات الباعة وحدها.
وتساءل أحدهم عن أسباب تركيز المصادرات على السجائر والمعسل الأجنبي، في حين تدخل بضائع مستوردة أخرى إلى الأسواق السورية.
وتواصلت «عنب بلدي» مع مديرية التجارة الداخلية التابعة لوزارة الصناعة للاستفسار عن تنظيم بيع السجائر والمعسل، وآليات ضبط الأسواق، وأسباب مصادرة الأصناف الأجنبية، إضافة إلى حجم الإنتاج المحلي وسبل دعمه. لكن المديرية اعتذرت عن عدم تقديم إجابات عن الاستفسارات، بحسب ما أورده التقرير.
تراجع القدرة الشرائية يغيّر سلوك المستهلكين
يربط الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة حماة، عبد الرحمن محمد، بين ارتفاع الأسعار والتغيرات في سلوك المستهلكين، مشيراً إلى أن الضغوط المعيشية تدفع بعض المدخنين إلى شراء الأصناف المحلية الأقل تكلفة، فيما يقلل آخرون استهلاكهم أو يفكرون في التوقف عن التدخين لأسباب اقتصادية.
وقال محمد إن الإنفاق الشهري على السجائر قد يصل لدى بعض الموظفين إلى ما يعادل راتبهم، تبعاً لنوع السجائر ومعدل الاستهلاك، ما يزيد الضغط على ميزانيات الأسر.
ويرى الخبير أن السعر ليس العامل الوحيد الذي يحدد خيارات المستهلكين، إذ تؤثر جودة المنتج المحلي أيضاً في الإقبال عليه. وأشار إلى مشكلات في التصنيع والجودة قد تدفع بعض المستهلكين إلى تفضيل الأصناف الأجنبية رغم ارتفاع أسعارها.
وبحسب محمد، فإن تحسين جودة السجائر المنتجة محلياً قد يساعد في تعزيز ثقة المستهلكين بها، بدلاً من الاعتماد على انخفاض السعر وحده لتشجيع شرائها.
الإنتاج المحلي والتوزيع ضمن أسباب اضطراب السوق
لا يعزو محمد ارتفاع أسعار السجائر إلى عامل منفرد، بل يربطه بمجموعة من العوامل تشمل حجم الإنتاج المحلي، وتوفر الأصناف المستوردة، وآليات التوزيع، والرقابة على السوق.
وقدّر الخبير إنتاج المؤسسة العامة للتبغ بنحو 500 طن شهرياً، معتبراً أن الكميات المتاحة لا تكفي لتلبية الطلب، وفق تقديره. وقد يدفع نقص المعروض بعض المستهلكين إلى البحث عن بدائل مستوردة، في وقت تتأثر فيه أسعار هذه المنتجات بتكاليف الاستيراد وسعر الصرف.
وتتبع المؤسسة العامة للتبغ وزارة الصناعة، ويعود تأسيسها إلى عام 1935، ويقع مركزها الرئيسي في اللاذقية.
وأشار محمد إلى أن ضعف تنظيم التوزيع واحتمال احتكار بعض الأصناف قد يسهمان في زيادة اضطراب السوق، داعياً إلى التمييز بين الارتفاع الناتج عن تكاليف الإنتاج والاستيراد، والزيادات المرتبطة بنقص المعروض أو الممارسات التجارية.
وفي سياق أوسع، أفاد المركز السوري لبحوث السياسات، في نشرة شهرية منشورة عام 2026، بأن التضخم السنوي في مجموعة التبغ بلغ 41%. ويعكس هذا الرقم ارتفاعاً في أسعار المجموعة ضمن الفترة التي يغطيها المؤشر، لكنه لا يحدد وحده أسباب الزيادة أو مقدار ارتفاع سعر كل صنف في أسواق دمشق.
الاستيراد غير النظامي ومحدودية القنوات الرسمية
بحسب محمد، تصل بعض السجائر الأجنبية إلى السوق السورية عبر قنوات غير رسمية، ما يجعلها عرضة للمصادرة إذا لم تستوفِ المتطلبات القانونية والجمركية.
ويرى الخبير أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يقتصر على مصادرة البضائع، بل يتطلب أيضاً تنظيم قنوات الاستيراد وتوفير مسارات قانونية واضحة لدخول المنتجات وتوزيعها.
وأشار إلى أن ارتفاع المخاطر المرتبطة بتداول الأصناف غير النظامية قد ينعكس على أسعارها، في حين أن تشديد الرقابة، من دون معالجة أسباب انتشار هذه القنوات، لا يضمن بالضرورة انخفاض الأسعار.
وتبقى معرفة حجم المنتجات التي تدخل عبر قنوات غير رسمية، ومدى تأثيرها في السوق، بحاجة إلى بيانات موثقة من الجهات المعنية.
تحسين الجودة وتنظيم الاستيراد
يقترح محمد تحسين جودة السجائر المحلية، ومراجعة أسعار شراء التبغ من المزارعين بما يراعي تكاليف الإنتاج، إلى جانب تطوير آليات التصنيع والتوزيع.
ويرى أن التسعير الذي لا يغطي تكاليف زراعة التبغ قد يشجع بعض المنتجين على بيع المحصول خارج القنوات الرسمية، ما يستدعي وضع آليات أكثر ملاءمة لضمان استمرارية الإنتاج وتوريده إلى الجهات المعنية.
كما يدعو إلى تنظيم استيراد السجائر الأجنبية عبر إجراءات قانونية واضحة، وتعزيز الرقابة على التوزيع لمنع الاحتكار وضمان وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق.
وتشير إفادات المدخنين والباعة، إلى جانب تقديرات الخبير الاقتصادي، إلى أن اضطراب سوق السجائر والمعسل يرتبط بتداخل عوامل عدة، من بينها القدرة الشرائية، وتكاليف الاستيراد، وسعر الصرف، وجودة الإنتاج المحلي، وآليات التوزيع والرقابة.
وفي ظل هذه الظروف، تبقى معالجة ارتفاع الأسعار مرتبطة بقدرة الجهات المعنية على تنظيم السوق وتحسين الإنتاج المحلي وتوضيح إجراءات المصادرة والاستيراد، مع ضرورة الاستناد إلى بيانات رسمية لتحديد الوزن الفعلي لكل عامل في الأسعار النهائية.
اقرأ أيضاً:الأزمة المعيشية تهدّد «المونة» وطقوس إعدادها في سوريا