مديرية النقل في إدلب.. نقص الكادر وسوء التنظيم يحوّلان المعاملات إلى سوق للوساطة

لا تبدأ معاناة مراجعي مديرية النقل في إدلب عند وصولهم إلى النوافذ، بل قبل ذلك بساعات، حين يخرج بعضهم من منزله فجراً أملاً في إنجاز معاملة لا تستغرق، وفق إدارة المديرية، أكثر من ساعة في الظروف الطبيعية. لكن نقص الموظفين، والازدحام، وتعطل النظام الإلكتروني، وضعف تنظيم استقبال المراجعين، تحوّل الإجراءات الرسمية إلى رحلة طويلة، تتسع خلالها مساحة الوسطاء الذين يعرضون اختصار الانتظار مقابل المال.

معاملة واحدة.. طوابير متعددة

خرج محمد من سلقين لإنجاز معاملة نقل ملكية سيارة، فوجد أمام مركز الفحص الفني مراجعين قدموا من مناطق ومحافظات مختلفة، بعضهم أمضى ليلته في المكان لحجز دور مبكر. وبعد نحو ساعة من الانتظار تحت الشمس، أُبلغ المراجعون بتوقف النظام الإلكتروني، لتُستكمل المعاملات يدوياً.

لم يكن ذلك سوى بداية يوم طويل. ففي مديرية النقل، اصطدم محمد بطابور استخراج براءة الذمة، حيث وقف عشرات المراجعين في مكان مكشوف، وسط خلافات متكررة على الدور وتدخل عناصر الأمن لتنظيم الازدحام. ولاحظ أن بعض الأشخاص يحصلون على الوثيقة من الباب المغلق خلال دقائق، بينما ينتظر آخرون أمام النافذة لإنجاز الإجراء نفسه.

توالت بعد ذلك مراحل تثبيت الفحص والتأمين وتسجيل السيارة، ولكل منها نافذتها وانتظارها. وبينما كان المراجعون يتكدسون أمام إحدى النوافذ بعد مغادرة الموظف مكانه، عرض وسيط على محمد تسريع معاملته مقابل 20 دولاراً، مستخدماً تعبير “كاسة الشاي”.

40 دولاراً لشراء الوقت

رفض محمد العرض في البداية، وأرسل شكوى عبر واتساب إلى الرقم المعلن على إحدى النوافذ، متحدثاً عن غياب الموظف وعرض الوسيط. وجاءه رد في اليوم التالي يوضح أن الموظف مكلف بمهام أخرى وأن نقص الكادر وضغط العمل يعرقلان سير المعاملات، لكنه لم يتضمن توضيحاً بشأن عرض تسريع المعاملة مقابل المال.

ومع اقتراب نهاية الدوام، عاد محمد إلى الوسيط، فطلب منه 40 دولاراً: 20 مقابل “كاسة الشاي”، و20 أتعاباً له. دفع المبلغ، وحوّل 15 دولاراً عبر تطبيق “شام كاش”، واطلعت “الثورة السورية” على إيصال التحويل.

بعد تسليم الأوراق للوسيط، انتقل محمد إلى البصمة ودفع الرسوم واستلام اللوحات، وأنهى المراحل المتبقية خلال نحو نصف ساعة. لكنه لم يشاهد تسليم الوسيط أي مبلغ لموظف، ولا يملك دليلاً على وجهة الأموال؛ لذلك لا يمكن الجزم بوجود دفع لموظف لقاء تسريع المعاملة. المؤكد في روايته أن الانتظار استهلك معظم يومه، وأن شخصاً عرض عليه اختصاره مقابل المال.

سوق للوساطة قبل المديرية وداخلها

لا تنحصر المشكلة في أبواب المديرية. فقد قال أحمد الخضر إنه حاول مراراً حجز موعد للفحص الفني عبر المنصة من دون نجاح، قبل أن يدفع 10 دولارات لشخص تمكن من تأمين موعد خلال دقائق. وتنتشر إعلانات تقدم خدمة “حجز منصة”، من دون أن تثبت هذه الوقائع وحدها وجود تلاعب تقني أو امتلاك أصحاب الخدمة صلاحيات خاصة.

لكنها تكشف مفارقة إدارية واضحة: إجراء يفترض أن ينجزه المواطن بنفسه بات فرصة لخدمة مدفوعة، فيما تتيح الطوابير الطويلة للوسطاء بيع ما يفترض أن توفره الإدارة، أي إنجاز المعاملة ضمن وقت معقول.

الإدارة تقر بنقص الكادر والفساد

يعزو مدير النقل في إدلب، محمد أسعد بيلساني، الازدحام إلى تركز المعاملات في المديرية بعد توقف مديريات أخرى عن العمل، موضحاً أن عدد المعاملات اليومية يبلغ نحو ألف، تتحمل المديرية الرئيسية قرابة نصفها. كما أقر بعدم كفاية الموظفين، وبوجود فساد وصفه بالمحدود، وانتقد مسيري المعاملات الذين يستفيدون من معرفتهم بتفاصيل الإجراءات وتوقيتها.

وتقول الإدارة إنها تحتاج إلى زيادة عدد الموظفين من نحو 15 إلى قرابة 30، لكنها تواجه مشكلة ضيق المقر، وتعمل على تجهيز مكتب جديد ورفع طلب لإحداث دائرة نقل في خان شيخون.

هذه الخطط قد تخفف الضغط إذا نُفذت، لكنها لا تعفي الجهات المعنية من مسؤولية توفير الحد الأدنى من التنظيم والخدمات اللائقة الآن. فترك المواطنين تحت الشمس، وتعطل النظام، وتعدد الطوابير، وصعوبة حجز المواعيد ليست تفاصيل هامشية؛ إنها إخفاقات إدارية يدفع ثمنها المواطن من وقته وماله وأعصابه.

وعندما يصبح الانتظار الطويل أمراً معتاداً، ويظهر وسيط يعرض اختصاره مقابل عشرات الدولارات، لا يعود الخلل مجرد ازدحام. إنه فراغ في الخدمة العامة تتحول كلفته إلى عبء إضافي على المراجع، فيما تبقى المعاملة الرسمية رهينة الدور، ويُباع المسار الأسرع خارجها.

 

اقرأ ايضاً: اتهامات لمديرية تربية حمص بـ “التمييز” في تعيينات المعلمين الجدد وحملات فصل واسعة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.