تدفئة الشتاء في سوريا.. برميل المازوت يستهلك الدخل والبدائل لا ترحم الأسر

مع اقتراب الشتاء، لا تبدأ الأسر السورية حسابات التدفئة من درجة الحرارة المتوقعة، بل من قدرتها على تحمّل الفاتورة. فالمازوت بات خياراً مكلفاً، والحطب والفحم وقشور المكسرات ليست بدائل رخيصة، فيما تبقى الكهرباء رهينة ساعات التغذية، وتحاصر مخاوف التسرب والاختناق استخدام مدافئ الغاز. وفي ظل هذا المشهد، تتحول التدفئة من حاجة أساسية إلى عبء يفرض على العائلات المفاضلة بين الدفء والغذاء والصحة وسائر النفقات الضرورية.

أسعار مرتفعة وخيارات تضيق

رفعت وزارة الطاقة سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة اعتباراً من منتصف أيلول، قبل الإعلان عن طرح ثلاثة أنواع بأسعار مختلفة: مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة لليتر للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، وآخر بسعر 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، إضافة إلى النوع القياسي بسعر 175 ليرة.

لكن تعدد الأسعار لا يحل المشكلة تلقائياً؛ فالسؤال الأساسي هو مدى وصول المازوت المدعوم إلى مستحقيه، وكفاية الكميات لتغطية احتياجات الشتاء، وقدرة الأسر على شراء الوقود أصلاً.

يقدّر قصي عجّان، وهو أب لأربعة أطفال، أن الأسرة قد تحتاج إلى خمسة ليترات يومياً على الأقل خلال فترات البرد. وبحسب حساباته، فإن برميل المازوت المكرر، بسعة 220 ليتراً وسعر 150 ليرة لليتر، يكلف 33 ألف ليرة، وقد لا يكفي سوى 45 يوماً. وهذا يعني الحاجة إلى برميلين ونصف إلى ثلاثة براميل خلال الموسم، بكلفة تتراوح بين 600 و700 دولار وفق تقديره.

بهذه الأرقام، لا تبدو التدفئة بنداً إضافياً في ميزانية الأسرة، بل إنفاقاً ينافس الاحتياجات الأساسية، فيما لا تكشف القرارات السعرية وحدها كيف ستُعالج الفجوة بين تكلفة الوقود ودخول المواطنين.

البدائل أغلى مما تبدو

لم تعد المواد البديلة مخرجاً ميسوراً. ويوضح غانم مسلماني، صاحب مخزن لبيع مواد التدفئة في حلب، أن أسعارها ارتفعت بنحو 15 بالمئة، إذ يتراوح سعر طن الحطب بين 250 و300 دولار، ويبلغ الفحم الحجري نحو 200 دولار، فيما يصل طن قشر الفستق إلى 380 دولاراً، والبيرين والبيليت إلى نحو 275 دولاراً للطن.

ومع حاجة الأسرة إلى طن ونصف أو طنين خلال الشتاء، قد تتراوح فاتورة التدفئة بين 300 و760 دولاراً تبعاً للمادة المستخدمة. أما المازوت المكرر، المعروف محلياً بالأسود، فيحمل مشكلات تشغيلية؛ إذ يقول علاء قاسم، العامل في ورشة لإصلاح السيارات بحلب، إن رواسبه قد تسد مجاري الوقود والمداخن، ما يضطر المستخدم إلى تنظيف المدفأة بصورة متكررة، فضلاً عن مخاطر الدخان السام إذا تسرب إلى المنزل.

حين يصبح البرد خطراً صحياً

تواجه مدافئ الكهرباء مشكلة انقطاع التيار وارتفاع الفواتير، بينما تحد مخاوف التسرب وكلفة شراء أسطوانة إضافية من الإقبال على مدافئ الغاز. وفي ظل هذه الخيارات، قد تلجأ بعض الأسر إلى حرق المخلفات والكرتون والملابس القديمة والروث، أو الاستغناء عن التدفئة والاكتفاء بالبطانيات.

وتحذر أخصائية الأمراض التنفسية عروبة سواس من الأضرار الصحية والبيئية الناجمة عن حرق مواد غير مخصصة للتدفئة، وما قد ينتج عنه من دخان وملوثات مؤذية للجهاز التنفسي.

أما الخبير الاقتصادي مهران لبابيدي، فيرى أن ارتفاع تكاليف التدفئة يستنزف حصة أكبر من دخل الأسرة على حساب الغذاء والصحة والتعليم، ويضعف الإنفاق في الأسواق، بما ينعكس على النشاط التجاري والخدمي.

وتكشف هذه الأزمة أن المشكلة لا تتوقف عند سعر لتر المازوت، بل تمتد إلى غياب ضمانات كافية لتأمين تدفئة آمنة وميسورة. فطرح أصناف متعددة من الوقود لا يغني عن سياسة واضحة لتوزيع المدعوم، ومراقبة وصوله إلى مستحقيه، وتأمين الكميات قبل اشتداد البرد. أما ترك الأسر لتدبّر أمرها بين وقود يفوق قدرتها وبدائل مكلفة أو خطرة، فيجعل الشتاء اختباراً جديداً لقدرة السياسات العامة على حماية الحد الأدنى من متطلبات العيش.

 

اقرأ أيضاً: رواتب تتبخر قبل الشتاء.. والتدفئة عبء جديد على الأسر السورية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.