أمن جنوب سوريا بين ضبط الفصائل المسلحة والتدخل الإسرائيلي
قد تنجح سلطة دمشق في تفكيك خلية مسلحة أو توقيف أفراد متهمين بالارتباط بجهات خارجية، لكن هذا النجاح الأمني لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على التأثير في القواعد التي تحكم أمن جنوب سوريا وعلاقتها مع “إسرائيل” والجوار.
وتكشف التطورات الأخيرة هذه الفجوة بوضوح؛ إذ إن القدرة على التعامل مع تهديد أمني محدود لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة على تحديد شكل العلاقة الأمنية في الجنوب أو فرض شروط الانسحاب واستعادة السيطرة الكاملة على المنطقة.
وفي 29 أيلول 2026، أعلنت السلطات السورية توقيف ثلاثة أشخاص في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، وقالت إنهم مرتبطون بحزب الله وكانوا يجهزون منصات لإطلاق الصواريخ.
وتبقى الاتهامات المعلنة بحق الموقوفين رواية رسمية تحتاج إلى أدلة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، إلا أن الإعلان يعكس أولوية أمنية لدى سلطات دمشق تتمثل في منع شبكات مسلحة من النشاط في منطقة حدودية شديدة الحساسية.
التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا
في المقابل، استمرت العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا، إذ وثقت جهات مستقلة 11 عملية توغل بري وثماني جولات قصف خلال الفترة بين 18 و24 أيلول، توزعت بين القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا أساسيًا حول العلاقة بين الإجراءات الأمنية التي تتخذها سلطة دمشق والهدف السياسي الذي يفترض أن تحققه: كيف يمكن للسلطات السورية توظيف نجاحها في ضبط الجماعات المسلحة للضغط باتجاه وقف التوغلات الإسرائيلية واستعادة السيطرة على جنوب سوريا وحماية السكان؟
ولا تقتصر المشكلة السورية على محدودية القدرات العسكرية، بل تمتد إلى غياب تصور واضح لدور الدولة في الأمن الإقليمي وآليات التأثير في القواعد التي تحكمه.
من ضبط التهديد إلى استعادة السيادة السورية
إذا ثبتت تفاصيل تفكيك الخلية المسلحة، فإنه يمثل نجاحًا تكتيكيًا للسلطات السورية، لكن التحدي الاستراتيجي يتمثل في تحويل هذه النجاحات الأمنية إلى مكاسب سياسية تعزز السيادة السورية.
وفي غياب مسار واضح، قد تقر “إسرائيل” بتحسن الأداء الأمني السوري، مع استمرار مطالبتها بضمانات إضافية من دون التزام واضح بالانسحاب من المناطق التي دخلتها.
ويؤدي ذلك إلى توسيع تعريف التهديد، بحيث تصبح الإجراءات الأمنية السورية غير كافية مهما تطورت، بينما تتحمل دمشق مسؤولية ضبط الجنوب، في حين تحتفظ “إسرائيل” بهامش واسع للتدخل فيه.
ومن هنا، فإن أي نجاح أمني سوري يحتاج إلى أن يرتبط بمسار سياسي يضمن التزامات مقابلة تحد من التدخل الخارجي وتعيد للدولة السورية دورها في اتخاذ القرار الأمني داخل أراضيها.
أمن جنوب سوريا مرتبط بالبيئة الإقليمية
لا يمكن فصل أمن جنوب سوريا عن شبكة المصالح والتهديدات الإقليمية المحيطة بالبلاد. فاستقرار درعا والقنيطرة والسويداء لا يرتبط فقط بقدرة دمشق على ضبط الوضع الداخلي، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والتأثير في حساباتها.
ويحتاج الدفاع عن السيادة السورية إلى استراتيجية تجعل المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي هدفًا سياسيًا قابلًا للتحقيق، رغم اختلال ميزان القوة.
ولا يكفي وضوح الموقف السوري وحده، ما لم يقترن بقدرة على التأثير في حسابات الأطراف الأخرى والحصول على التزامات واضحة بشأن أمن الحدود والانتشار العسكري.
وفي هذا السياق، قد يمنح تجنب المواجهة العسكرية سلطة دمشق وقتًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة، لكنه في الوقت نفسه يمنح “إسرائيل” فرصة لترسيخ وجودها العسكري إذا لم تستثمر دمشق هذه الفترة في تحسين موقعها السياسي والتفاوضي.
هل أصبحت استعادة الدولة السورية مصدر قلق إسرائيلي؟
تزداد معضلة الجنوب تعقيدًا عندما يصبح حضور الدولة السورية نفسه موضوعًا للاعتراض.
ففي شباط 2025، أعلن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” رفض دخول قوات السلطة السورية الجديدة إلى مناطق جنوب دمشق، وطالب بنزع السلاح في القنيطرة ودرعا والسويداء.
وتشير هذه المطالب إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بمنع الجماعات المسلحة غير الحكومية من النشاط، بل يمتد إلى طبيعة القدرات العسكرية والأمنية التي يمكن للدولة السورية امتلاكها ونشرها في الجنوب.
وفي هذه الحالة، يمكن لتعزيز مؤسسات الدولة السورية أن ينتج أثرين متناقضين: تقليص نشاط الشبكات المسلحة من جهة، وزيادة المخاوف الإسرائيلية من بناء مؤسسات عسكرية وأمنية سورية أكثر تماسكًا من جهة أخرى.
لذلك، فإن افتراض أن تحسن السيطرة الأمنية السورية سيؤدي تلقائيًا إلى الانسحاب الإسرائيلي يترك جانبًا أساسيًا من المشكلة من دون معالجة.
من يحدد مفهوم التهديد في الجنوب السوري؟
يسهم تصوير الجنوب السوري باعتباره مصدر تهديد دائم في تبرير استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وفرض قيود على المنطقة.
وبذلك، لا يقتصر الخلاف على الوجود العسكري وحده، بل يمتد إلى مسألة أكثر جوهرية تتعلق بمن يملك حق تحديد ما الذي يشكل تهديدًا أمنيًا، وما الأدلة التي تبرر مواجهته.
ومن هذه الزاوية، تحتاج سلطة دمشق إلى إثبات أن استعادة سلطة الدولة وتعزيز مؤسساتها يساهمان في تحقيق الاستقرار، مع تحديد طبيعة الضمانات الأمنية التي يمكن قبولها بحيث لا تتحول إلى قيود دائمة على السيادة السورية.
السيادة السورية لا تقتصر على الانتشار العسكري
لا يمكن اختزال مفهوم الأمن السوري في انتشار الجيش أو حماية مؤسسات الدولة المركزية، إذ يرتبط حضور الدولة في جنوب سوريا أيضًا بقدرتها على حماية حركة السكان والعمل والوصول إلى الأراضي والموارد.
فالحواجز العسكرية قد تعطل الطرق والمواسم الزراعية، بينما يؤدي التوتر المستمر إلى تقليص فرص العمل وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على تحمل مرحلة انتقالية طويلة.
كما أن الاعتقالات التي لا تخضع للمساءلة، أياً كانت الجهة التي تنفذها، تؤثر في مستوى الثقة بين السكان والمؤسسات، وفي استعداد المجتمعات المحلية للتعاون مع أجهزة الدولة.
وقد يخفي الهدوء النسبي على خطوط التماس مع إسرائيل هشاشة اجتماعية واقتصادية متزايدة، إذ يؤدي فقدان السكان لمصادر رزقهم وثقتهم بالمؤسسات إلى إضعاف قدرتهم على تحمل الأزمة، وتقليص استعدادهم للتعاون مع الدولة.
خصوصية درعا والقنيطرة والسويداء
تظهر مشكلة أخرى في التعامل مع الجنوب السوري باعتباره كتلة جغرافية وسكانية واحدة، رغم اختلاف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية في درعا والقنيطرة والسويداء.
وتحتاج الاستراتيجية الوطنية إلى هدف موحد يتعلق باستعادة السيادة والاستقرار، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى أدوات مختلفة تتناسب مع خصوصية كل منطقة وطبيعة علاقاتها المحلية.
ومن دون هذا التفريق، قد يصعب تحويل الرؤية السياسية العامة إلى إجراءات قابلة للتطبيق على الأرض.
اتفاق فصل القوات لعام 1974
يمثل اتفاق فصل القوات لعام 1974 أحد المراجع الأساسية التي يمكن لدمشق الاستناد إليها في التعامل مع الوضع الأمني في الجنوب السوري.
وينظم الاتفاق منطقة الفصل وترتيبات القوات والتسليح، فيما تراقب قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” تطبيقه.
وقد أعلنت الأمم المتحدة في مناسبات مختلفة أن بعض الأنشطة العسكرية في منطقة الفصل تمثل انتهاكات للاتفاق.
لكن التمسك باتفاق 1974 لا يوضح وحده كيفية العودة إلى الترتيبات التي نص عليها، إذ تحتاج أي رؤية سياسية إلى تحديد العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الانتشار السوري وآليات المراقبة والضمانات الأمنية.
كما يتطلب الأمر التمييز بين الضمانات المتبادلة والمحددة والقابلة للتحقق، وبين الشروط التي تمنح طرفًا واحدًا هامشًا مفتوحًا للتدخل كلما أعلن عدم شعوره بالأمان.
اتفاق 1974 والبحث عن مسار سياسي
عندما تبقى الحدود بين هذه الترتيبات غير واضحة، يمكن أن يتحول اتفاق فصل القوات إلى نقطة خلاف حول تفسير كيفية استعادة الوضع السابق، بدل أن يكون أساسًا لمسار سياسي واضح.
ففي حين قد ترى دمشق في الاتفاق إطارًا ينبغي استعادته، قد تتعامل أطراف أخرى معه باعتباره نقطة انطلاق لإضافة ترتيبات وقيود جديدة.
ومن هنا، فإن استعادة العمل باتفاق 1974 تحتاج إلى مسار سياسي يحدد بصورة واضحة شروط الانسحاب، وإعادة الانتشار، والمراقبة، والضمانات الأمنية.
من إدارة أزمة الجنوب إلى تحديد هدف واضح
تكشف التطورات الأمنية في جنوب سوريا عن فجوة بين الإجراءات الأمنية اليومية والاستراتيجية السياسية التي يفترض أن تحدد علاقة دمشق بجوارها وشروط استعادة سيادتها.
فتفكيك الخلايا المسلحة، وضبط الحدود، وتجنب المواجهة العسكرية، كلها إجراءات يمكن أن تساهم في إدارة الوضع الأمني، لكنها لا تحدد وحدها شكل الاستقرار الذي تسعى إليه الدولة السورية أو الشروط التي تقبلها لتحقيقه.
ويفرض اختلال ميزان القوة قيودًا على الخيارات المتاحة أمام دمشق، لكنه لا يلغي أهمية وضع أهداف واضحة تربط بين ضبط الأمن الداخلي والحد من التدخل الخارجي واستعادة السيادة.
وفي حال غياب هذه الأهداف، قد تتحمل سلطة دمشق مسؤولية الأمن والاستقرار في الجنوب، بينما تحتفظ أطراف أخرى بالقدرة على تعريف التهديد وتحديد شروط الانتشار والانسحاب.
ويكمن التحدي الأساسي في منع تحول هذا الوضع إلى صيغة دائمة، بحيث يُطلب من الدولة السورية إثبات قدرتها على حفظ الاستقرار، في حين لا تمتلك القرار الكامل بشأن أمن أراضيها.
وبذلك، تصبح النجاحات الأمنية المنفردة جزءًا من ترتيب إقليمي تُحدد شروطه خارج دمشق، بينما يظل دور السلطات السورية محصورًا في الاستجابة للتطورات بدل التأثير في مسارها.
إقرأ أيضاً: صحيفة هآرتس: اعتقالات ومداهمات إسرائيلية وقيود على حركة السكان والمزارعين في جنوب سوريا
إقرأ أيضاً: ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب وحل وسط يرسم ملامح ملف السويداء