شراء السلع عبر صفحات التواصل في سوريا.. طرد فارغ أو سلعة مختلفة ثم البحث عن البائع

لم يعد شراء السلع عبر صفحات التواصل الاجتماعي في سوريا نشاطاً هامشياً، بل تحول إلى سوق واسعة تسبق فيها صورة المنتج عملية الشراء، بينما يأتي اختبار الحقيقة عند فتح الطرد. وفي هذه المساحة غير المستقرة، تتكرر شكاوى من سلع لا تطابق الإعلان، وطرود ناقصة أو فارغة، وبائعين يختفون بمجرد قبض الثمن، لتجد الأسرة نفسها أمام خسارة مالية ومسار طويل لإثبات ما حدث.

المفارقة أن البيع الإلكتروني مشمول قانونياً بحماية المستهلك، بحسب وزارة الاقتصاد، لكن اتساع الفجوة بين النص والممارسة يجعل الحماية أقل وضوحاً عندما لا يكون للبائع محل معروف أو عنوان تجاري يمكن الوصول إليه. وفي وقت تتحدث فيه الوزارة عن رقمنة الشكاوى وتطوير أدوات الرقابة الإلكترونية، لا تزال المشكلة الأساسية بالنسبة للمستهلك هي معرفة من باعه السلعة وكيف يستعيد حقه عندما يتحول الحساب إلى رقم صامت. وقد بدأت الوزارة فعلاً بتوسيع أدوات الشكاوى الإلكترونية وترميز الفعاليات التجارية عبر QR، فيما أطلقت مبادرات لتحديث منظومة حماية المستهلك.

عندما يصل الطرد ولا تصل السلعة

يستعيد غيث الباشا تجربة تعود إلى عام 2020، حين اشترى حذاء عبر صفحة على “فيسبوك”، واتفق مع البائعة على السعر والدفع عند الاستلام. لكن بعد دفع نحو 400 ألف ليرة وفتح الطرد، وجد بداخله قنينة مياه بدلاً من الحذاء، قبل أن يكتشف أن البائعة حظرته عند محاولة التواصل معها.

أما مجد السباعي، فواجه تجربة مختلفة في الشكل لا في النتيجة. طلب سماعات و”باوربانك” ومنتجات أخرى، وطلب فتح الطرد قبل الدفع، ليتبين أن علبة السماعات فارغة وأن “الباوربانك” غير موجود. وعندما تواصل مع المتجر، أُبلغ بأن الطلب أُرسل كاملاً، وانتهى الأمر بإلغاء عملية الشراء.

وفي حالة ثالثة، تقول فادية رمضان إنها طلبت من بائعة عبر “فيسبوك” توضيح شروط الضمان، لكن البائعة اعتذرت عن إتمام البيع، معتبرة أن السلعة لا تحتاج إلى ضمان وأن على الزبونة فحصها عند الاستلام.

تكشف هذه الحالات اختلاف أشكال المشكلة، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: المستهلك يدفع أولاً، ثم يبدأ البحث عن ضمانات حقه.

حماية قانونية.. وملاحقة تبدأ من لقطة شاشة

يؤكد رئيس دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد أحمد الحمشو أن البيع عبر الوسائل الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي لا يخرج عن نطاق حماية المستهلك متى توافرت عناصر عملية البيع. وتشمل الحماية، وفق حديثه، مطابقة السلعة للوصف والمواصفات، ووضوح السعر والبيانات الأساسية، وإثبات عملية الشراء والحماية من الغش والتضليل.

لكن الوصول إلى هذه الحماية يرتبط عملياً بقدرة المستهلك على تقديم ما يثبت الواقعة: الإعلان، المحادثات، اسم الحساب، رقم الهاتف، إثبات الدفع، تفاصيل التوصيل وصور المنتج عند الاستلام.

وهنا تظهر إحدى أضعف حلقات السوق الإلكترونية: إذا كان البائع مجهول العنوان، والحساب قابلاً للتغيير، ورقم الهاتف قابلاً للإلغاء، تصبح الشكوى نفسها عملية بحث عن هوية شخص قبل أن تكون عملية استرداد لحق.

وتؤكد الوزارة أن غياب المحل التقليدي لا يعني استحالة متابعة الشكوى، إذ يمكن الاستدلال على البائع من الحساب الإلكتروني وأرقام التواصل وإثباتات الدفع والتسليم. كما تتجه الجهات الحكومية إلى رقمنة استقبال الشكاوى وتوسيع أدوات الرقابة الإلكترونية.

سوق تتوسع أسرع من الرقابة

يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن بعض الشكاوى ترتبط بمواد غذائية وأدوات كهربائية ومنتجات أخرى، وأن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما لا يمتلك البائع عنواناً ثابتاً أو بيانات واضحة.

وتستقبل الجمعية شكاوى وتحاول في بعض الحالات الوصول إلى تسويات ودية، لكنها لا تملك صلاحية إلزام البائع بإعادة المال أو معالجة المخالفة، ما يعيد المستهلك في النهاية إلى الجهات الرسمية والإجراءات القانونية.

ولا تتوقف المشكلة عند البائع. فشركة التوصيل تدخل طرفاً ثالثاً في العملية، وتختلف المسؤولية بحسب طبيعة الواقعة والأدلة المتوافرة، ما يجعل بيانات المندوب والشحنة وإثبات التسليم جزءاً أساسياً من ملف الشكوى.

المواطن يتحمل كلفة سوق غير مكتملة

تبدو المشكلة أوسع من عمليات غش فردية. فالسوق الإلكترونية في سوريا تتوسع في بيئة لم تستقر فيها بعد آليات التعريف بالبائع، والفوترة، والضمان، والاستبدال، والتسليم، وتسوية النزاعات.

وتواصل وزارة الاقتصاد الإعلان عن إجراءات لتطوير حماية المستهلك والتحول الرقمي، فيما تشير الوزارة نفسها إلى أن منظومة التجارة الداخلية كانت تعاني بنية تقنية قديمة وضعفاً في التجهيزات والربط الشبكي قبل بدء خطط الإصلاح.

وبذلك يبقى المستهلك في مواجهة معادلة غير متوازنة: بائع يستطيع أن يختفي خلف شاشة، ومشتري لا يملك غالباً سوى المحادثة وإيصال الدفع وصورة الإعلان لإثبات أنه اشترى شيئاً لم يصله كما وُعد.

في هذه السوق، لا تكفي القوانين إذا بقي الوصول إلى المخالف أصعب من ارتكاب المخالفة، ولا تكفي منصات الشكاوى إذا ظل المستهلك مضطراً إلى خوض معركة لإثبات أبسط حق: أن تصل إليه السلعة التي دفع ثمنها، لا شيئاً آخر.

 

اقرأ ايضاً: مستقبل مهنة الخياطة الرجالية: هل تنقرض أمام غزو “الملابس الجاهزة” والتسوق أونلاين؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.