مياه الصرف الصحي تهدد سدود درعا.. ومحطات المعالجة ما تزال غير مكتملة
لم تنتهِ مشكلة مياه الصرف الصحي في درعا عند حدود الروائح والمجاري المكشوفة، بل امتدت إلى واحد من أهم موارد المحافظة المائية. فمياه الصرف الصحي غير المعالجة تجد طريقها عبر الأودية والمسيلات إلى بحيرات عدد من السدود، ولا سيما إبطع وغربي طفس، في نتيجة تكشف خللاً أعمق في طريقة تنفيذ مشاريع الصرف الصحي، حيث سبقت الشبكات ومحاور التصريف محطات المعالجة التي يفترض أن تمنع وصول المياه العادمة إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية.
وبذلك تحولت بعض السدود من خزانات يفترض أن تخدم الزراعة إلى نقطة استقبال لمياه الصرف، فيما تنحصر المعالجة الرسمية في إجراءات لتخفيف آثار التلوث، بدلاً من إنهاء مصدره.
الصرف الصحي يصل إلى بحيرات السدود
يقول مدير الموارد المائية في درعا هاني عبد الله إن السبب الرئيسي لتلوث عدد من السدود يعود إلى جريان مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الأودية والمسيلات الطبيعية التي تنتهي عند البحيرات.
وأوضح أن هذه السدود أُنشئت أصلاً على مجاري الأودية للاستفادة من مياه الأمطار، في وقت كانت فيه الكثافة السكانية أقل. لكن توسع التجمعات السكانية وإنشاء شبكات الصرف الصحي من دون استكمال محطات المعالجة المرتبطة بها غيّر وظيفة هذه المجاري، لتصبح المياه العادمة جزءاً من واردات بعض السدود.
وتشمل المشاريع غير المكتملة محطات مرتبطة بمحاور الصرف في غربي درعا وداعل وطفس وإزرع والشيخ مسكين، ما يبقي المشكلة قائمة رغم مرور سنوات على التخطيط لهذه المشاريع.
وتشير معطيات منشورة سابقاً إلى أن مشكلة تلوث السدود بمياه الصرف في درعا ليست جديدة، إذ يعود جزء من التخطيط لمحاور الصرف إلى دراسة أُنجزت عام 1997، فيما استمرت فجوة التنفيذ بين شبكات التجمعات ومحطات المعالجة.
سد إبطع.. مياه أقل وتلوث أكثر
تزداد المشكلة وضوحاً في سد إبطع، الذي تبلغ طاقته التخزينية نحو 3.5 ملايين متر مكعب. فمع تراجع الهطولات وتناقص التغذية القادمة من بعض الروافد، تقلصت مصادر المياه النظيفة التي كانت تصل إلى البحيرة، لتصبح مياه الصرف جزءاً رئيسياً من وارداتها.
وبحسب مدير الموارد المائية، دفعت هذه الظروف المديرية إلى تكثيف مراقبة نوعية المياه وتجربة زراعة القصب والزل للمساهمة في الحد من التلوث، إضافة إلى فتح مفرغة للسد وتصريف المياه عبر قناة تمتد نحو عشرة كيلومترات باتجاه سد غربي طفس.
وتقول المديرية إن الفحوص المخبرية بعد اختلاط المياه أظهرت صلاحيتها للري، مع استمرار المراقبة. لكن هذا الإجراء يبقى معالجة لنتيجة المشكلة لا لمصدرها؛ فاختلاط المياه وتخفيف تركيز الملوثات لا يلغي الحاجة إلى منع وصول مياه الصرف إلى السد من الأساس.
سنوات من المشاريع غير المكتملة
في المناطق الواقعة على مسارات الصرف، يصف السكان واقعاً لم يتغير جذرياً: شبكات داخل البلدات تعمل، لكن المياه التي تخرج منها لا تجد محطة معالجة مكتملة، فتتابع طريقها عبر الأودية وصولاً إلى السدود.
وفي داعل، تشير شهادات السكان إلى أن محوراً يخدم الحراك وعِلما وخربة غزالة وداعل وينتهي بمحطة معالجة غربي المدينة لم يكتمل، ما يجعل المياه العادمة تصل إلى سد غربي طفس.
وتتكرر المشكلة في طفس والشيخ مسكين والحارة ونمر وغيرها، فيما تحدث سكان عن الروائح والتلوث واستمرار جريان المياه العادمة في الأودية.
الأكثر دلالة أن بعض الخطط تعود إلى عقود سابقة، بينما بقي التنفيذ مجتزأً. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد تأخر مشروع خدمي، بل تراكم لسنوات من التخطيط غير المكتمل والتنفيذ الذي لم يربط مراحل المشروع ببعضها.
الزراعة تدفع الثمن
في قرية جعيلة، الواقعة على مسيل سد إبطع، يقول فهد عساف إن نحو 515 هكتاراً كانت مقررة للري من السد خرجت من الخدمة بسبب تلوث المياه.
ومع تراجع مصادر المياه الطبيعية وجفاف بعض الأودية، تصبح الخسارة مزدوجة: مورد مائي ملوث، وأراضٍ زراعية تفقد مصدر الري الذي أنشئ السد أساساً لتأمينه.
وتكشف حالة سدود درعا مشكلة أكبر من تلوث بحيرة أو تأخر محطة؛ إنها صورة عن بنية خدمية تُنفذ على مراحل منفصلة، ثم يُترك السكان والمزارعون أمام نتائج هذا الانفصال.
فالمعالجة الحقيقية لا تبدأ من مفرغة سد أو تجربة زراعة القصب، بل من استكمال محطات الصرف الصحي وربطها بالمحاور والشبكات، ثم مراقبة المياه وإعادة استخدامها في الزراعة بأمان. وما لم يحدث ذلك، ستبقى السدود في درعا تستقبل المياه العادمة بدل أن تكون جزءاً من حل أزمة المياه التي تزداد حدتها عاماً بعد آخر.
اقرأ ايضاً: أزمة المياه في درعا: تلوث “سحم الجولان” وتفشي الكبد الوبائي يهددان بكارثة صحية