بعد نقلها إلى العباسيين… سكان الغوطة الشرقية يطالبون بإعادة خطوط النقل إلى شارع الثورة في دمشق
لم يعد الوصول من مدن الغوطة الشرقية إلى دمشق رحلة واحدة بالنسبة إلى كثير من الركاب، بعدما نُقلت مراكز انطلاق السرافيس من شارع الثورة إلى كراج العباسيين. فالقرار الذي يفترض أن يعيد تنظيم حركة النقل داخل العاصمة، ترك آثاره مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية: أجرة إضافية، وقت أطول، تبديل بين وسائل النقل، ومسافة باتت تفصل الراكب عن وجهته النهائية.
وبالنسبة إلى الطلاب والموظفين، لم يعد الوصول إلى مناطق مثل البرامكة والحميدية والصالحية وسبع بحرات مسألة مرتبطة بخط نقل واحد، بل بقدرة الراكب على دفع كلفة رحلة ثانية. أما السائقون، فيقولون إن المسار الجديد قلّص عدد الركاب الذين كانوا يصعدون وينزلون على امتداد الطريق، ما انعكس على دخلهم اليومي.
من خط واحد إلى أجرتين
يقول أبو محمد، سائق على خط عين ترما – دمشق، إن الراكب كان سابقاً يستخدم السرفيس للوصول إلى شارع الثورة، حيث يمكنه متابعة طريقه سيراً أو الانتقال إلى وجهته القريبة، فيما كان السائق يستفيد من تبدل الركاب طوال الرحلة.
أما بعد الوصول إلى كراج العباسيين، فأصبح كثير من الركاب يستمرون من بداية الخط حتى نهايته، ما يعني عدد تبديلات أقل للركاب وانخفاضاً في العائد اليومي للسرفيس.
وتبلغ الأجرة حالياً خمسة آلاف ليرة للراكب، وفق إفادته، فيما يقول إنه مستعد لقبول أربعة آلاف ليرة إذا عاد الخط إلى شارع الثورة، في محاولة لتعويض أثر المسار السابق على حركة الركاب. ويشير إلى أن السائقين تقدموا بعدة طلبات لإعادة الخطوط، من دون أن يحصلوا حتى الآن على استجابة حاسمة.
المشكلة هنا لا تتعلق بالسائق وحده؛ فالسرفيس مصدر دخل لأسر كاملة، وأي تراجع في عدد الركاب لا ينعكس على صاحب المركبة فقط، بل على قدرة أسرة تعتمد على هذا الدخل في تأمين نفقاتها اليومية.
الطالب يدفع ثمن إعادة التخطيط
بالنسبة إلى مازن العرنوس، طالب الهندسة، تحولت الرحلة اليومية إلى حساب مالي جديد. يدفع خمسة آلاف ليرة من سقبا إلى كراج العباسيين، ثم خمسة آلاف أخرى للوصول إلى جامعته.
وكانت الرحلة سابقاً تتم عبر سرفيس واحد يصل إلى شارع الثورة، ومن هناك يمكن الوصول إلى عدد من مناطق وسط دمشق سيراً أو باستخدام وسيلة نقل قصيرة.
هكذا يتحول قرار يتعلق بمسار الخط إلى كلفة شهرية متراكمة على الطالب والموظف والعامل. فالمشكلة ليست في قيمة الأجرة المنفردة فقط، وإنما في تكرارها يومياً، إلى جانب الوقت الذي يضيع في الانتقال والتبديل والانتظار.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أصلاً حساسية كلفة النقل بالنسبة إلى الأسر، مع تغير أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل، وهي عوامل تقول المؤسسة العامة لنقل الركاب إنها تدخل ضمن معايير تحديد التعرفة ومسارات الخطوط.
التنظيم الذي لا يبدأ من الراكب
تبرر الجهات المعنية نقل مراكز الانطلاق بالحاجة إلى تخفيف الازدحام وتنظيم حركة النقل داخل مركز دمشق، وهو منطق لا يلغي الحاجة إلى معالجة أثر القرار على المناطق المرتبطة بالعاصمة.
وقد شهدت قرارات مماثلة في دمشق احتجاجات ومطالبات من الركاب والسائقين عندما أدت عمليات نقل مراكز الانطلاق إلى تغيير نمط الرحلات، ما يعكس صعوبة تحقيق التنظيم المروري إذا جرى التعامل معه بمعزل عن احتياجات مستخدمي النقل.
وتقترح شريحة من الركاب حلاً وسطاً يقوم على تقسيم الخطوط بدلاً من حصرها في مركز واحد: جزء يصل إلى شارع الثورة لخدمة المتجهين إلى قلب العاصمة، وجزء يتجه إلى كراج العباسيين لخدمة المسارات الأخرى.
“دراسة جديدة” تنتظر التنفيذ
مدير المؤسسة العامة لنقل الركاب عمر قطان قال إن المؤسسة تتابع مطالب الأهالي والسائقين، وإنها تعمل على إعادة دراسة ورسم مسارات الخطوط، مع التركيز على خطوط الريف، ومنها عين ترما وسقبا وحمورية. والهدف المعلن هو إيجاد صيغة تربط الريف بالمدينة مع مراعاة الطاقة الاستيعابية للشوارع المركزية.
لكن المشكلة أن “إعادة الدراسة” أصبحت بالنسبة إلى المواطن مرحلة إضافية تسبق أي حل فعلي. فالمواطن لا يحتاج إلى خطة على الورق بقدر حاجته إلى خط يصل به إلى عمله أو جامعته بأقل عدد ممكن من الرحلات والكلف.
وكانت المؤسسة قد أعلنت منذ تأسيسها أنها تعمل على إعادة تنظيم النقل الداخلي وإحياء بعض الخطوط القديمة، في وقت أظهرت فيه بياناتها أن أكثر من 80% من أسطول الشركة العامة للنقل الداخلي في دمشق كان متوقفاً عند بدء أعمال إعادة التأهيل، ما يكشف حجم الفجوة بين الحاجة اليومية للنقل وبين الإمكانات المتاحة.
وفي الغوطة الشرقية، تبدو المشكلة أكثر وضوحاً: حين يُنقل مركز الانطلاق من دون توفير مسار بديل يختصر الرحلة، يصبح التنظيم عبئاً إضافياً على الراكب، وتتحول المسافة القصيرة إلى رحلتين، والأجرة الواحدة إلى أجرتين، والوقت الضائع إلى جزء ثابت من يوم المواطن.
ويبقى نجاح أي تعديل للمسارات مرتبطاً بنتيجة ملموسة لا بعدد الدراسات والوعود: أن يصل سكان الغوطة إلى دمشق بخطوط واضحة، وكلفة محتملة، ووقت لا يحول النقل العام إلى عبء يومي آخر فوق أعباء المعيشة.
اقرأ أيضاً: أجور السرافيس في دمشق تتفلت بعد غلاء المحروقات.. الراكب يدفع والسعر يحدده السائق