من 20 إلى 200 مليار دولار.. ماذا تعني قفزة الاقتصاد السوري التي يتحدث عنها الشرع؟
طرح الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع خلال قمة الإعلام العربي 2026 مساراً طموحاً لحجم الاقتصاد السوري، يبدأ من نحو 20 مليار دولار في 2024، ويرتفع إلى 32 ملياراً في 2025، ثم إلى 50 مليار دولار متوقعة في 2026، وصولاً إلى نحو 60 ملياراً في 2027. كما تحدث عن طموح لرفع حجم الاقتصاد إلى نحو 200 مليار دولار خلال خمس إلى عشر سنوات، في حال استمرت حالة الاستقرار في سوريا والمنطقة والعالم.
لكن الانتقال بين هذه الأرقام لا يعني بالضرورة أن حجم الإنتاج الحقيقي ارتفع بالنسبة نفسها. فالناتج المحلي المحسوب بالدولار يتأثر بالأسعار وسعر الصرف والمنهجية الإحصائية المستخدمة، إلى جانب التغير الفعلي في إنتاج السلع والخدمات.
وهنا تبرز أسئلة تتعلق بطبيعة النمو الذي تعكسه هذه الأرقام، ومدى ارتباطه بزيادة الإنتاج والقيمة المضافة وفرص العمل والصادرات، خصوصاً في اقتصاد لا يزال يواجه تحديات في الطاقة والتمويل والبنية التحتية والقدرة الإنتاجية.
ارتفاع الناتج بالدولار لا يساوي بالضرورة نمواً مماثلاً في الإنتاج
يُظهر الانتقال من 20 مليار دولار في 2024 إلى 32 ملياراً في 2025 زيادة تقارب 60% بالقيمة الدولارية. لكن هذه النسبة لا يمكن قراءتها باعتبارها نمواً حقيقياً في حجم السلع والخدمات المنتجة خلال العام نفسه.
ويشرح الباحث الاقتصادي يونس عبد الكريم، بحسب المادة الأصلية، أن الناتج المقاس بالدولار يتأثر بعدة عوامل، بينها الأسعار وسعر الصرف وطريقة احتساب الناتج، ولذلك فإن مقارنة رقمين من فترتين مختلفتين تحتاج أولاً إلى التأكد من استخدام منهجية متسقة في القياس.
وتصبح المسألة أكثر أهمية عند مقارنة الزيادة الدولارية بمعدل النمو الحقيقي الذي أعلنته وزارة المالية، والبالغ نحو 4% خلال 2025. فالفارق الكبير بين الرقمين يطرح تساؤلات حول أثر سعر الصرف والأسعار وطريقة تحويل الناتج إلى الدولار.
ويقول عبد الكريم إن توحيد السلسلة الإحصائية ومنهجية القياس شرط أساسي قبل التعامل مع الأرقام باعتبارها قابلة للمقارنة المباشرة.
وتخضع الحسابات القومية السورية بالفعل لعملية مراجعة. ووفق تقرير لصندوق النقد الدولي، تشمل أعمال تحسين تقديرات الناتج مراجعة مصادر البيانات وطرق الحساب لعامي 2022 و2024، على أن تمتد المراجعة لاحقاً إلى تقديرات الفترة بين 2010 و2024، مع احتمال إعادة تحديد سنة الأساس. كما يشير الصندوق إلى أن الظروف المالية والأمنية تحد من إجراء مسوح اقتصادية واسعة ومتكررة.
ماذا يعني الوصول إلى 50 مليار دولار في 2026؟
إذا ارتفع حجم الاقتصاد من 32 مليار دولار في 2025 إلى 50 ملياراً في 2026، فإن الزيادة الاسمية ستكون في حدود 56% خلال عام واحد.
ولكي يتحول هذا الرقم إلى نمو اقتصادي فعلي، يفترض أن يظهر في النشاط الإنتاجي نفسه، وليس فقط في قيمة الاستثمارات التي تعلنها الحكومة أو الجهات الاستثمارية.
فالاستثمار المعلن لا يدخل تلقائياً في الناتج المحلي لمجرد توقيع اتفاقية أو مذكرة تفاهم. وحتى المشروع الذي بدأ تنفيذه لا تُحتسب كامل قيمته كناتج في سنة واحدة، إذ يقيس الناتج قيمة السلع والخدمات التي أُنتجت فعلياً خلال فترة محددة.
ولهذا، فإن 54 اتفاقية ومذكرة تفاهم استثمارية أعلن عنها الشرع لا تعني، بحد ذاتها، إضافة قيمتها إلى الناتج المحلي. المعيار الاقتصادي هو مقدار ما يتحول من هذه الاتفاقيات إلى استثمارات منفذة، ثم إلى إنتاج وقيمة مضافة داخل سوريا.
ويشمل ذلك معرفة حجم الإنتاج الناتج عن المشاريع، والأجور التي تدفعها، والمشتريات من الشركات المحلية، والضرائب والإيرادات التي تولدها، إضافة إلى الأرباح التي تبقى داخل الاقتصاد وتلك التي يجري تحويلها إلى الخارج.
كما أن الحديث عن حصول سوريا على حصة تتراوح بين 30 و40% في بعض المشاريع لا يسمح وحده باحتساب هذه النسبة كإضافة مباشرة إلى الناتج المحلي؛ إذ تختلف النتيجة بحسب حجم الاستثمار المنفذ والإنتاج والقيمة المضافة والأجور والضرائب والمشتريات المحلية لكل مشروع.
الإنتاج والتصدير هما الاختبار الأهم
تظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «UNCTAD» أن صادرات السلع السورية بلغت نحو 3.34 مليار دولار في 2024، مقابل واردات بقيمة تقارب 6.28 مليار دولار، ما يعني عجزاً تجارياً يقارب 2.95 مليار دولار.
وهذا يجعل زيادة الإنتاج القابل للتصدير أحد الاختبارات المهمة لأي توسع اقتصادي مستدام. فارتفاع قيمة الاقتصاد لا يكتمل أثره إذا بقيت القدرة على التصدير محدودة، واستمر الاعتماد على الواردات لتغطية جزء كبير من احتياجات السوق.
ويطرح ذلك أهمية خاصة أمام قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والخدمات، ليس فقط لجهة حجم إنتاجها، وإنما أيضاً لمدى قدرتها على خلق قيمة مضافة محلية وتوفير منتجات قابلة للتصدير.
من 50 إلى 60 ملياراً.. ثم 200 مليار
وفق المسار الذي عرضه الشرع، يمكن أن يصل الاقتصاد السوري إلى 50 مليار دولار في 2026، ثم إلى نحو 60 ملياراً في 2027، وهو المستوى الذي قال إنه كان قريباً من حجم الاقتصاد في عام 2010.
وبعد ذلك، تطرح الحكومة هدفاً أكثر اتساعاً يتمثل في الوصول إلى 200 مليار دولار خلال خمس إلى عشر سنوات.
رياضياً، فإن الانتقال من 60 إلى 200 مليار دولار خلال خمس سنوات يتطلب نمواً سنوياً مركباً يقارب 27%، بينما ينخفض المعدل إلى نحو 13% سنوياً إذا امتدت الفترة إلى عشر سنوات.
أما إذا انطلق المسار من 50 مليار دولار إلى 200 مليار، فإن الوصول إلى الهدف خلال خمس سنوات يتطلب نمواً سنوياً مركباً يقارب 32%، مقابل نحو 15% سنوياً خلال عشر سنوات.
وهذه الحسابات تصف المعدل المطلوب لتحقيق الهدف، ولا تعني توقعاً مستقلاً لمسار الاقتصاد السوري.
ويشير صندوق النقد الدولي في تقييم حديث إلى أن التعافي الاقتصادي السوري يتجه إلى التحسن، مع توقع نمو قوي في 2026 و2027، مدفوعاً بعوامل تشمل تحسن الزراعة وإنتاج المحروقات والكهرباء والتجارة والخدمات وعودة اللاجئين وزيادة أعداد الزوار والإنفاق الحكومي. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار وجود فجوات كبيرة في البيانات.
الاستثمارات وحدها لا تكفي
يعتمد تحقيق معدلات نمو مرتفعة على قدرة الاقتصاد على تحويل الأموال والاستثمارات إلى طاقة إنتاجية جديدة.
وهذا يعني توسيع الصناعة والزراعة والخدمات، وزيادة إنتاج الطاقة، وتحسين البنية التحتية، ورفع الإنتاجية، إلى جانب خلق وظائف جديدة وتحسين قدرة الشركات المحلية على المشاركة في سلاسل الإنتاج.
وتبرز هنا أيضاً قدرة الدولة على تمويل الخدمات والاستثمارات العامة. فقد أشار البنك الدولي إلى تراجع الإيرادات الحكومية من مستويات كانت تقارب 20% من الناتج قبل الحرب إلى أقل من 5%، وهو ما يضع إصلاح المالية العامة والمؤسسات في صلب قدرة الاقتصاد على تمويل التعافي.
كما أن الاقتصاد غير الرسمي والأنشطة غير المنظمة التي توسعت خلال سنوات الحرب لا تختفي تلقائياً مع تغير الوضع السياسي. ويحتاج دمج جزء منها في الاقتصاد الرسمي إلى إصلاحات مالية وضريبية وقانونية ومؤسسات قادرة على تنظيم السوق وتحصيل الإيرادات.
كيف يمكن قياس النمو الحقيقي؟
الرقم الإجمالي للناتج المحلي لا يكفي وحده للحكم على طبيعة التعافي الاقتصادي.
ومن المؤشرات التي يمكن من خلالها متابعة النمو الفعلي، الناتج الحقيقي بالأسعار الثابتة، وليس الناتج الاسمي بالدولار فقط، إلى جانب تطور القيمة المضافة في القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والطاقة والتشييد والنقل والخدمات القابلة للتصدير.
كما تظهر الصورة بصورة أوضح عند متابعة الإنتاجية وفرص العمل والأجور الحقيقية، إلى جانب تطور الصادرات ونسبة المكون المحلي فيها، بدلاً من الاكتفاء بقياس حجم التجارة والاستيراد.
وتدخل ضمن هذه المؤشرات أيضاً الاستثمارات الأجنبية التي وصلت ونُفذت فعلياً داخل البلاد، وليس فقط قيمة الاتفاقيات والمذكرات المعلنة، إضافة إلى تطور إنتاج الكهرباء والمياه والنقل والبنية التحتية والنفط والزراعة والصناعة.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فتساعد مؤشرات العجز التجاري والحساب الجاري والدين العام والاحتياطيات واستقرار الأسعار وسعر الصرف على تكوين صورة أوسع عن مدى استدامة النمو.
إعادة الإعمار ليست مرادفاً لحجم الاقتصاد
تحتاج سوريا إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية والأصول التي تضررت خلال سنوات الحرب. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، مع أضرار مادية مباشرة تقدر بنحو 108 مليارات دولار. وشملت التقديرات البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية للفترة بين 2011 و2024.
لكن قيمة إعادة الإعمار لا تساوي الناتج المحلي. فتكلفة إعادة الإعمار تقدير لقيمة الأصول التي تحتاج إلى البناء أو الإصلاح، بينما الناتج المحلي يقيس قيمة السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد خلال فترة زمنية معينة.
وبالتالي، فإن إنفاق مليارات الدولارات على إعادة بناء الطرق أو المنازل أو شبكات الكهرباء لا يعني أن الاقتصاد أصبح بالحجم نفسه. الأثر الاقتصادي يظهر من خلال النشاط الذي تولده هذه المشاريع، والوظائف التي توفرها، والإنتاج الذي تمكّن من استعادته أو إطلاقه.
ويعني ذلك أن إعادة الإعمار يمكن أن تكون محركاً للنشاط الاقتصادي، لكنها تحتاج إلى أن تترافق مع استعادة القدرة الإنتاجية للمصانع والأراضي الزراعية والطاقة والنقل والخدمات، حتى يتحول الإنفاق على البناء إلى نمو مستدام يتجاوز مرحلة إعادة تأهيل الأصول المتضررة.
هل تعني العودة إلى 60 ملياراً العودة إلى اقتصاد 2010؟
طرح الشرع مستوى 60 مليار دولار بوصفه قريباً من حجم الاقتصاد السوري في 2010. لكن مقارنة حجم الاقتصاد بين عامين متباعدين تتطلب الحذر، لأن القيمة الاسمية للدولار والأسعار تغيرت خلال الفترة نفسها.
كما أن حجم الاقتصاد لا يعكس وحده مستوى معيشة السكان أو توزيع الدخل أو حجم فرص العمل والخدمات المتاحة.
ويشير البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في سوريا بلغ نحو 830 دولاراً في 2024، وأن نحو ربع السكان كانوا يعيشون في فقر مدقع، بينما كان نحو ثلثي السكان تحت خط الفقر الخاص بالدول ذات الدخل المتوسط الأدنى. كما يقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انخفض بأكثر من 50% منذ 2010.
ولهذا، فإن استعادة رقم اسمي سابق لحجم الاقتصاد لا تعني تلقائياً استعادة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قائمة في ذلك العام.
فالاقتصاد قد يكبر بالقيمة الدولارية، بينما تبقى الدخول الحقيقية منخفضة أو ترتفع الأسعار أو تتركز عوائد النمو في قطاعات محددة. كما أن ارتفاع الناتج لا يعني تلقائياً عودة الوظائف أو الأجور أو القدرة الشرائية أو الخدمات إلى مستوياتها السابقة.
في النهاية، فإن الأرقام التي طرحها الشرع تمثل مساراً مستهدفاً لحجم الاقتصاد السوري، بينما يحتاج قياس تحقق هذا المسار إلى بيانات متسقة عن الناتج الحقيقي والإنتاجية والاستثمار المنفذ والصادرات وفرص العمل والقيمة المضافة المحلية. وبقدر ما تتحول الاستثمارات وإعادة الإعمار إلى طاقة إنتاجية وصادرات ودخول وفرص عمل، يمكن عندها تقييم ما إذا كانت القفزة في أرقام الناتج تعكس توسعاً اقتصادياً فعلياً، لا مجرد ارتفاع في القيمة الاسمية المقاسة بالدولار.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز