آبار مياه القريتين متوقفة .. 300 هكتار زراعي بريف حمص بلا ري والخسائر كبيرة

في ريف حمص الشرقي، لا تحتاج الأرض إلى كثير من الوقت كي تتحول من مصدر رزق إلى مساحة عطشى تنتظر الماء. في بساتين القريتين، خرجت خمسة آبار كانت تؤمن الري لنحو 300 هكتار من الخدمة، لتجد الأشجار والمحاصيل نفسها أمام انقطاع طويل يهدد الإنتاج ويضع مستقبل مساحات زراعية كاملة في دائرة الغموض.

ورغم إدراج مشروع ري بساتين القريتين ضمن خطة عام 2026، ما تزال الصورة التنفيذية غير مكتملة؛ فلا تكلفة نهائية معلنة، ولا حجم اعتماد مالي محدد، ولا عدد واضح للآبار التي يمكن إعادتها إلى الخدمة خلال العام. وحتى المساحة التي خرجت فعلياً من الاستثمار الزراعي وحجم الخسائر الناتجة عن توقف الري لم تُحصر بعد ميدانياً.

خمسة آبار.. و300 هكتار تنتظر المياه

وفق رئيس دائرة خدمات القريتين المهندسة لينا الخضر، كان مشروع الآبار يؤمن مياه الري لنحو 300 هكتار، قبل خروج خمسة آبار عن الخدمة. وتوضح أن الجهات المعنية لا تملك حتى الآن بيانات دقيقة حول حجم المساحات التي فقدت استثمارها الزراعي نتيجة توقف الآبار، أو قيمة الخسائر الإنتاجية والمالية.

ولا تبدو هذه الفجوة في البيانات مسألة إدارية هامشية، إذ إن غياب الحصر يعني عملياً غياب صورة واضحة عن حجم الضرر الذي يفترض أن تعالجه خطة الري. فكيف يمكن ترتيب الأولويات أو تقدير الاعتمادات المطلوبة، فيما لا تزال المساحات المتضررة وحجم الخسائر خارج الأرقام الرسمية؟

وتزداد حساسية المشكلة لأن المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية، بينما يؤدي استمرار انقطاع الري إلى تراجع إنتاج المحاصيل والأشجار، وقد يصل الضرر في الأشجار المثمرة إلى الجفاف والموت إذا طال زمن العطش.

خطة 2026 بلا أرقام حاسمة

أُعدت دراسات لإعادة تأهيل الآبار، وأُدرج مشروع الري ضمن خطة 2026، مع أولوية لإصلاح الآبار القابلة للتأهيل. لكن الانتقال من الخطة إلى التنفيذ ما يزال مشروطاً بالكشوف الفنية والاعتمادات المالية، من دون أرقام نهائية تحدد ما الذي سينجز فعلياً خلال العام.

وهنا تظهر إحدى المشكلات المزمنة في إدارة الملف الزراعي: الخطة موجودة، لكن مواعيد التنفيذ وحجم التمويل ومقدار الاستفادة لا تزال معلقة. وبالنسبة إلى المزارع، لا تكفي عبارة “مدرج ضمن الخطة” لإنقاذ شجرة تحتاج إلى الماء الآن، لأن الضرر الزراعي لا ينتظر دورة الموازنة أو اكتمال الإجراءات.

بساتين تحمل خسائر سنوات

لا تبدأ أزمة القريتين من الآبار وحدها. فالمزارع محمد الزير يتحدث عن أضرار لحقت بالبساتين خلال السنوات الماضية، بينها اقتلاع أعداد كبيرة من الأشجار وتحويلها إلى حطب، ومنع أصحاب بعض المزارع من الوصول إليها والعناية بها، ما أدى إلى موت مساحات واسعة وفقدان جزء من الثروة الزراعية للمنطقة.

ويعتمد السكان على زراعة العنب والتين والرمان والزيتون، وفق المزارع إسماعيل طراف، وهي أشجار لا يكفي بقاؤها في الأرض لاستمرار إنتاجها؛ إذ تحتاج إلى مياه وعناية منتظمة. وتمكن عدد محدود من المزارعين من حفر آبار جديدة بقدراتهم الخاصة، بينما بقي آخرون عاجزين عن إعادة أراضيهم إلى الدورة الزراعية.

ويطالب المزارع ربيع الشلحة بإعادة تأهيل آبار قناص وضخ المياه إلى البساتين، معتبراً أن توفير المياه هو الشرط الأول لاستعادة الإنتاج ومصادر دخل الأسر.

العطش لا يخسر موسماً فقط

يحذر الخبير الزراعي مدثر الحناوي من أن استمرار الإجهاد المائي قد ينقل الضرر من انخفاض الإنتاج إلى تضرر الأشجار نفسها. فالأشجار المثمرة المعمرة تستطيع تحمل ظروف قاسية لفترات محدودة، لكن استمرار غياب المياه والعناية يضعفها ويقلل قدرتها على التعافي، وقد يؤدي في الحالات الممتدة إلى موت بعضها.

ويشير الحناوي إلى أن الأرض الزراعية لا تكون قابلة للاستثمار لمجرد وجودها، إذ يصبح مصدر الري جزءاً من قيمة الأرض الإنتاجية نفسها. لذلك فإن إصلاح بئر يخدم مجموعة واسعة من البساتين قد يكون أكثر جدوى من استصلاح مساحات لا تملك مصدراً دائماً للمياه.

إنقاذ الآبار قبل خسارة الأشجار

تكشف بساتين القريتين فجوة بين ما تحتاجه الزراعة على الأرض وما تستطيع الخطط الحكومية تقديمه في الوقت المناسب. خمسة آبار متوقفة تعني 300 هكتار مرتبطة بمصدر ري معطل، بينما لا تزال الحكومة الانتقالية في مرحلة الدراسات والكشوف والحصر، من دون أرقام نهائية واضحة لحجم التدخل.

وكلما تأخر تشغيل الآبار، ارتفعت كلفة الإنقاذ: من دعم بئر قابل للإصلاح اليوم، إلى إعادة تأهيل أرض فقدت إنتاجيتها غداً، وربما زراعة أشجار جديدة بعد موت الأشجار المعمرة. لذلك لا تبدو المشكلة مجرد مشروع ري مؤجل، بل خسارة زراعية تتسع مع كل موسم يبقى فيه الماء غائباً.

 

اقرأ ايضاً: بساتين أشرفية الوادي تواجه خطر اليباس.. 50 يوماً بلا مياه والآبار المعطلة لا تنقذ أشجار بردى

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.