نفايات الحسكة تتجاوز قدرة البلدية.. 300 طن يومياً و20 آلية فقط في الخدمة
لا تحتاج شوارع الحسكة إلى مؤشر جديد على تراجع الخدمات؛ أكوام النفايات المتراكمة تكفي لتقول ذلك. ففي مدينة ينتج سكانها ما بين 250 و300 طن من القمامة يومياً، لا تستطيع البلدية ترحيل أكثر من نحو 100 طن، لتبقى الكميات المتبقية أياماً في الأحياء ونقاط التجميع، تحت حرارة الصيف وروائحها وحشراتها.
وتضم الحسكة نحو 87 ألف عائلة، ويقترب عدد سكانها من 435 ألف نسمة، ما يجعل خدمة النظافة حاجة يومية واسعة النطاق لا يمكن التعامل معها بإمكانات محدودة أو حلول مؤقتة. لكن الواقع الحالي يعكس فجوة كبيرة بين حجم المدينة وما تحتاجه وبين ما تملكه الجهة المسؤولة عن تنظيفها.
300 طن تنتجها المدينة.. و100 طن تغادرها
في غويران، يقول محمد الجاسم إن النفايات تبقى أحياناً عدة أيام قبل وصول آليات الترحيل، بينما تتفاقم الروائح خلال الصيف، وتدفع امتلاء الحاويات بعض السكان إلى البحث عن أماكن أخرى لرمي مخلفاتهم.
وفي الصالحية، يصف فريد رمضان المشكلة بأنها تتجاوز تشويه المشهد العام إلى التأثير المباشر في حياة السكان، مع انتشار الروائح والحشرات وتأخر معرفة مواعيد مرور الآليات. أما في تل حجر، فيشير موسى العيد إلى أن تأخر الترحيل يجعل نقاط التجميع أكثر ازدحاماً، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة.
ويحمّل السكان البلدية مسؤولية تأمين ترحيل منتظم، بالتوازي مع التزام الأهالي بأماكن الرمي. غير أن مطالبة السكان بالانضباط لا يمكن أن تسد فجوة تشغيلية تبلغ نحو 150 إلى 200 طن من النفايات يومياً.
نصف الآليات خارج الخدمة
يحدد المشرف في قسم النظافة ببلدية الحسكة أحمد الظاهر أسباب الأزمة بصورة أكثر مباشرة: نقص المازوت، نقص العمال، وتعطل عدد كبير من الآليات.
ويعمل القسم حالياً بـ226 عاملاً و20 آلية فقط من أصل 42، بينما تحتاج الآلية الواحدة إلى نحو 25 لتراً من المازوت، وقد تحصل أحياناً على 15 لتراً فقط، بهدف إبقاء أكبر عدد ممكن من الآليات قيد التشغيل.
ورغم عمل فرق النظافة على مناوبتين، من السادسة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، ومن الخامسة مساءً حتى منتصف الليل، تبقى قدرتها التشغيلية عاجزة عن ملاحقة حجم النفايات اليومية. فالبلدية ترحّل نحو 100 طن فقط، فيما تستمر المدينة في إنتاج أكثر من ضعفي هذه الكمية.
وهنا تظهر المشكلة بوصفها خللاً في القدرة الخدمية أكثر من كونها أزمة نظافة عابرة. فحين يخرج أكثر من نصف أسطول النظافة عن الخدمة، ويصبح الوقود نفسه مادة يجري تقنينها بين الآليات، فإن تراكم القمامة يصبح نتيجة متوقعة لا حادثة استثنائية.
احتياجات كبيرة واستجابة محدودة
يقدر قسم النظافة حاجته الفعلية بنحو ألف عامل و85 آلية، إضافة إلى قرابة ألفي لتر من المازوت يومياً. وبين هذه الأرقام وما هو متاح حالياً مسافة واسعة، لا يبدو أن الحلول الحالية قادرة على ردمها.
وتتركز الأولوية في الظروف الراهنة على الطرق الرئيسية، فيما تنتظر الأحياء الأخرى دورها وفق ما تسمح به الإمكانات. وهذا يعني عملياً أن مستوى الخدمة بات مرتبطاً بما يتوافر من الوقود والآليات، لا بما تحتاجه المدينة فعلياً.
المفارقة أن الحكومة الانتقالية مطالبة بإدارة الخدمات اليومية في مدينة بهذا الحجم، لكنها تبدو أمام أزمة تتجاوز قدرة البلدية المحلية من دون أن يظهر في المعطيات المطروحة مسار واضح لتأمين الأسطول والعمال والوقود المطلوبين. ومع استمرار هذا النقص، تتحول النظافة من خدمة بلدية يفترض انتظامها إلى عملية إنقاذ يومية تعتمد على ما تبقى من الإمكانات.
المواطن يدفع ثمن العجز
دعا قسم النظافة السكان إلى إخراج القمامة بالتزامن مع مرور الآليات وعدم رميها خارج الأماكن المخصصة. وهي مطالب ضرورية لتقليل الفوضى، لكنها لا تعالج أصل المشكلة عندما لا تستطيع البلدية أصلاً ترحيل سوى جزء محدود من النفايات المنتجة.
فالمواطن قد يلتزم بمكان الرمي، لكن ذلك لا يغير شيئاً إذا بقيت القمامة في الحاوية أياماً بسبب غياب الآلية أو الوقود. وفي هذه الحالة تنتقل كلفة العجز من المؤسسة الخدمية إلى الحي والسكان، على شكل روائح وحشرات ومشهد حضري متدهور.
وتكشف أرقام الحسكة أن المشكلة ليست في كمية النفايات وحدها، بل في انهيار التوازن بين ما تنتجه المدينة وما تستطيع مؤسساتها ترحيله. وبين 250 و300 طن يومياً من النفايات ونحو 100 طن فقط يجري نقلها، يبقى الجزء الأكبر في الشوارع والأحياء، شاهداً على خدمة لم تعد مواردها تكفي لأداء أبسط وظائفها.
اقرأ ايضاً: نفايات حلب في الصيف.. حاويات ممتلئة ومكبات عشوائية وإمكانات لا تكفي