سوق العقارات في دمشق ينتقل إلى السوشال ميديا.. المالك يستغني عن الدلال
وين المالك؟” لم يعد السؤال الذي يقود الباحث عن منزل في دمشق إلى مكتب عقاري بالضرورة. فقد انتقلت شريحة واسعة من سوق العقارات إلى شاشة الهاتف، حيث تحولت صفحات ومجموعات “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تلغرام” إلى سوق مفتوحة تعرض فيها الشقق والمنازل، ويتفاوض فيها المالكون والمشترون والمستأجرون بعيداً عن المكاتب والوسطاء.
هذا التحول لا يعكس تطوراً تقنياً فحسب، بل يكشف أيضاً عن سوق عقارية تتكيف مع ارتفاع التكاليف والعمولات، فيما يحاول المواطن تقليص ما يستطيع من نفقات صفقة باتت كلفتها الأساسية مرتفعة أصلاً.
العقار يخرج من المكتب
خلال السنوات الأخيرة، انتشرت صفحات ومجموعات متخصصة بالعقارات في أحياء دمشق وريفها، من المزة والمعضمية إلى المالكي وركن الدين وغيرها. وأصبح بإمكان المالك نشر صور عقاره ومواصفاته ورقم التواصل، والوصول خلال ساعات إلى عدد كبير من الباحثين عن منزل.
ويؤكد أبو أنس، صاحب مكتب عقاري في المزة، أن هذه المنصات سهلت وصول المالك إلى الزبون مباشرة، مشيراً إلى أن ارتفاع كلفة الوساطة دفع بعض أصحاب العقارات إلى تولي عملية التسويق بأنفسهم.
وبالنسبة إلى الباحث عن منزل، تختصر المنصات الرقمية وقتاً كان يُهدر في التنقل بين المكاتب. عشرات الإعلانات يمكن تصفحها من الهاتف، مع مقارنة المساحة والسعر والموقع قبل اتخاذ قرار زيارة العقار.
العمولة تدفع السوق نحو الوساطة الصفرية
تأتي العمولة في مقدمة أسباب هذا التحول. ففي بعض معاملات الإيجار، تعادل العمولة المتداولة بدل نصف شهر من كل طرف، بينما تصل في بعض صفقات البيع إلى نحو 2.5 بالمئة من قيمة العقار، وفق عاملين في السوق.
ومع ارتفاع أسعار العقارات، تتحول النسبة إلى مبلغ قد يكون ثقيلاً على المشتري أو المالك، فيصبح تجاوز الوسيط محاولة مباشرة لتقليص فاتورة الصفقة.
لكن اختصار الوساطة لا يعني اختفاء مخاطرها. فالإعلان الرقمي قد يقدم صورة جذابة ومواصفات مختصرة، لكنه لا يتحقق وحده من الملكية أو صحة الوثائق، ولا يكشف بالضرورة عيوب العقار أو جدية الطرف الآخر.
الدلال يخسر المعلومة ويحتفظ بالخبرة
يرى الخبير العقاري مهدي عبد الوهاب أن وسائل التواصل خلقت مساحة واسعة لتسويق العقارات، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام إعلانات تفتقر إلى الضوابط الكافية.
وهنا يتغير موقع المكتب العقاري في السوق. فالميزة التي كانت تقوم على امتلاك المعلومة – من يبيع، ومن يؤجر، وأين يوجد العقار – لم تعد حكراً على الدلال. أما القيمة التي يصعب على الشاشة توفيرها فتتمثل في تقييم السعر، وفحص المعطيات، والتفاوض، وربط الأطراف، والمساعدة في إتمام الصفقة بأقل قدر ممكن من المخاطر.
سوق بلا تنظيم رقمي واضح
المشكلة التي تكشفها هذه النقلة لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بغياب إطار واضح ينظم جزءاً متزايداً من النشاط العقاري على المنصات الرقمية. فكلما اتسع الإعلان المباشر، ازدادت الحاجة إلى آليات تحقق تحمي الباحث عن منزل من المعلومات المضللة، وتوضح مسؤولية المعلن والوسيط والمنصة.
وفي ظل غياب هذا التنظيم، يضطر المواطن إلى القيام بدور الوسيط والمحقق في آن واحد، بينما تتحول الثقة إلى عنصر شخصي لا توفره المنصة ولا يضمنه المنشور.
لقد سحبت وسائل التواصل الاجتماعي من الدلال واحدة من أهم أدواته: احتكار المعلومة. لكنها لم تلغ الحاجة إلى الخبرة، بل نقلت مركز الثقل من “من يعرف العقار؟” إلى “من يستطيع ضمان الصفقة؟”. وفي سوق عقارية يزداد فيها العبء المالي على المواطن، تبدو الشاشة أرخص طريق للوصول إلى المنزل، لكنها ليست بالضرورة الطريق الأكثر أماناً إليه.
اقرأ ايضاً: أزمة العقارات في دير الزور.. إيجارات خيالية تشرد العائلات وتضغط على العائدين