مستحقات التبغ في سوريا تتأخر.. المزارعون يزرعون بالدين والمؤسسة لم تسدد الجميع
سلّم مزارعو التبغ محصولهم إلى المؤسسة العامة لـ التبغ في سوريا، لكن أموالهم بقيت معلقة لأشهر، فيما لم تنتظر الأرض وصول المستحقات قبل أن تبدأ دورة زراعية جديدة. في اللاذقية وحمص، يجد مزارعون أنفسهم أمام موسم جديد يحتاج إلى أجور عمال ومستلزمات إنتاج، بينما لم يحصل بعضهم بعد على ثمن محصول الموسم السابق.
محسن، وهو مزارع تبغ من اللاذقية، يقول إنه ينتظر مستحقاته منذ تشرين الأول 2025، وحتى 3 أيلول لم يحصل على أي دفعة. وفي موسم 2024 كان قد تلقى مستحقاته على دفعات، أما هذا العام فاضطر إلى الاستدانة لتمويل زراعة محصول جديد، في وقت ارتفعت فيه تكاليف العمل الزراعي بصورة أثقلت كاهل المنتجين.
محصول يُسلّم.. ودورة الإنتاج تُموّل بالدين
لا تتوقف كلفة زراعة التبغ عند البذار أو الأرض، إذ تحتاج مراحل الزراعة والعناية والقطاف و”التفتيح” إلى أيدٍ عاملة كثيفة. ويقدر محسن أجرة العامل اليومية بنحو 75 ألف ليرة سورية، ما يجعل أي تأخير في وصول مستحقات المزارع يتحول سريعاً إلى نقص في السيولة اللازمة للموسم التالي.
وتفاقمت خسائر مزارعي اللاذقية هذا الموسم بعدما ألحقت الأمطار الغزيرة التي هطلت عقب جمع المحصول أضراراً بجزء من التبغ، وفق محسن، ما انعكس على جودة الأوراق وقيمتها.
وهكذا يجد المزارع نفسه أمام خسارتين متزامنتين: محصول تضرر جزء منه، ومستحقات عن محصول سابق لم تصل في موعدها. وبين الاثنين تضيق قدرة المزارع على تمويل أرضه من موارده الخاصة.
إعلان عن الصرف لا ينهي الانتظار
في 9 تموز الماضي، أعلنت المؤسسة العامة للتبغ بدء صرف مستحقات المزارعين عن كميات التبغ الخام المسلّمة خلال موسمي 2024 و2025، موضحة أن عمليات الصرف بدأت في السادس من الشهر نفسه، وأنها ستستمر وفق خطة معتمدة حتى سداد كامل المستحقات.
لكن الإعلان الرسمي لم يكن كافياً لإنهاء الانتظار لدى جميع المزارعين. فمحسن يؤكد أنه لم يحصل على مستحقاته حتى بداية أيلول، فيما يقول مزارعون آخرون إنهم ما زالوا ينتظرون أموالهم.
المشكلة هنا ليست إجرائية فقط؛ فالمزارع لا يستطيع تجميد دورة الإنتاج بانتظار قرار الصرف. الأرض تحتاج إلى خدمة في موعدها، والعامل يريد أجره، والمستلزمات الزراعية لا تُشترى بالوعود.
حمص تنتظر أيضاً
في حمص، يروي علي، مزارع تبغ من قرية عين التينة، تجربة مشابهة. فقد سلّم محصول الموسم الماضي، لكنه لم يحصل على مستحقاته حتى وقت إعداد التقرير.
ويقول إن سعر شراء الكيلوغرام، البالغ 23 ألف ليرة في الموسم الذي سلّم فيه محصوله، كان مقبولاً بالنسبة إلى المزارعين، لكن تأخر الدفع أفرغ جزءاً من أثر السعر الجيد من مضمونه.
وتجاوز إنتاج قريته في العام الماضي 20 ألف طرد، يزيد وزن الواحد منها على 30 كيلوغراماً، أي أكثر من 600 طن من التبغ، ما يعطي فكرة عن حجم الأموال المرتبطة بهذه الدورة الزراعية وعن أثر أي تأخير في ضخها إلى أيدي المنتجين.
وبحسب علي، أثّر تأخر المستحقات في قدرة بعض المزارعين على تمويل زراعة الموسم الحالي، وإن لم يتعرض محصول حمص للأضرار التي أصابت تبغ اللاذقية.
خطة توسع بلا ضمانة للسيولة
تستهدف المؤسسة العامة للتبغ زراعة نحو 11 ألف هكتار خلال موسم 2026 في درعا وحمص وطرطوس واللاذقية وحماة وإدلب وحلب، مع توزيع البذار والإشراف على الزراعة ونقل المحصول بعد توضِيبه إلى مستودعات المؤسسة على نفقتها.
لكن توسيع المساحات المزروعة لا يكفي إذا بقي المزارع عاجزاً عن تدوير رأس ماله. فكل موسم جديد يحتاج إلى سيولة تسبق المحصول، بينما تأخر دفع ثمن المحصول السابق يدفع المنتج إلى الاقتراض وتحمل كلفة إضافية قبل أن يعرف متى يستعيد أمواله.
وتزداد المسؤولية على المؤسسة والحكومة الانتقالية مع اتساع خطة زراعة التبغ، إذ لا يمكن بناء سياسة إنتاجية مستقرة على معادلة يموّل فيها المزارع الدولة بمحصوله، ثم ينتظر أشهراً لاسترداد قيمته.
اقرأ ايضاً: مستحقات القمح في سوريا تتأخر.. الفلاح يدخل الموسم الجديد بلا ثمن محصوله