التفاح في السويداء وفير.. لكن غياب الأسواق يترك المزارعين تحت رحمة التجار
لم تكن وفرة محصول التفاح في السويداء هذا الموسم كافية لتحويله إلى مكسب للمزارعين. فالأشجار حملت إنتاجاً أفضل بكثير من العام الماضي بفضل تحسن الهطولات المطرية والثلجية، لكن الطريق من البستان إلى السوق بقي مختنقاً، تاركاً المزارع أمام معادلة قاسية: تكاليف إنتاج تتصاعد، وتسعيرة رسمية لا تلزم التجار، ومنافذ تصدير غائبة يمكنها استيعاب الفائض.
وبينما يفترض أن تكون الوفرة الزراعية فرصة لتحسين دخل المنتجين، تحولت في السويداء إلى مصدر قلق إضافي، بعدما باتت قدرة المزارع على تحديد قيمة محصوله شبه معدومة، فيما يملك التجار والسماسرة المساحة الأوسع لفرض السعر وفق حساباتهم.
تسعيرة على الورق.. والسوق للتجار
يؤكد مزارعون أن اللجنة الزراعية الفرعية في السويداء حددت الأسبوع الماضي سعراً قدره 100 ليرة للكيلوغرام من التفاح الأحمر نوع أول، و90 ليرة للأصفر نوع أول، إلا أن هذه التسعيرة بقيت، وفق شهاداتهم، غير ملزمة للتجار.
ويقول المزارعون إن بعض التجار لا يتجاوز سعر الشراء الذي يعرضونه 50 ليرة للكيلوغرام، قبل أن يصل سعر البيع في الأسواق إلى نحو 150 ليرة. والفارق لا يعكس فقط كلفة الوساطة والنقل، بل يكشف اختلالاً واضحاً في ميزان القوة داخل السوق، حيث يتحمل المزارع مخاطر الإنتاج كاملة، بينما يستطيع الوسيط التحكم بسعر الشراء والبيع.
وتزداد المشكلة مع محدودية حركة التجار هذا الموسم، وعدم قدرة سوق الهال في مدينة السويداء، رغم حداثة تجربته، على استيعاب كامل إنتاج المحافظة.
20 ألف ليرة للدونم.. والمزارع يدفع أولاً
لا تأتي هذه الخسارة في سوق خالية من التكاليف. فبحسب المزارعين، تبلغ كلفة الدونم الواحد نحو 20 ألف ليرة، تشمل الفلاحة والرش والتسميد والقطاف وأجور النقل، فيما تبقى مصاريف أخرى مرتبطة برعاية الأشجار طوال الموسم.
وهكذا يصل المزارع إلى لحظة القطاف بعد أن أنفق على محصوله أشهراً طويلة، ليجد نفسه عاجزاً عن فرض سعر يضمن له استرداد ما دفعه. وفي غياب منافذ بديلة، يصبح التخزين أو الانتظار خياراً محدوداً، بينما يملك التاجر القدرة على الانتظار أو شراء كميات كبيرة بأسعار منخفضة.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بهذا الموسم وحده، بل تكشف خللاً أوسع في إدارة القطاع الزراعي، إذ لا تكفي زيادة الإنتاج إذا كانت الحكومة الانتقالية عاجزة عن تأمين المسار الذي ينقل المحصول من المزارع إلى المستهلك أو السوق الخارجية بسعر عادل.
وفرة بلا تصريف.. مسؤولية لا يمكن تأجيلها
يوضح مدير زراعة السويداء المهندس علاء شهيب أن إنتاج التفاح هذا الموسم ممتاز، ويفوق بأضعاف إنتاج العام الماضي، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن غياب المنافذ التسويقية، ولا سيما الخارجية، يمثل أبرز العقبات أمام تصريفه.
وتزداد المخاوف مع بطء حركة التجار الراغبين في شراء المحصول، إذ يخشى المزارعون أن يتحول الفائض إلى عبء ينتهي بكساد جزء منه وتلفه.
لهذا، لا تبدو المشكلة في التفاح ولا في المزارع الذي نجح في إنتاجه، بل في سوق تُركت بلا أدوات كافية لحماية المنتج. وكان يفترض بالحكومة الانتقالية أن تستبق موسم القطاف بخطة تسويق واضحة، تشمل فتح قنوات التصدير، وتوسيع قدرات التخزين والتبريد، وتنظيم عمل الوسطاء، وربط التسعيرة بتكاليف الإنتاج الفعلية.
أما ترك آلاف المزارعين لمساومة التجار في موسم الوفرة، فيعني أن الدولة تطلب من الفلاح أن ينتج أكثر، من دون أن توفر له ضمانة حقيقية بأن ما ينتجه لن يتحول في نهاية الموسم إلى خسارة. وعندما يصبح أفضل محصول في سنوات عدة مهدداً بالكساد، فإن المشكلة لا تعود في الزراعة وحدها، بل في منظومة اقتصادية لم تنجح بعد في حماية من ينتج.
اقرأ ايضاً: التفاح في السويداء: جفاف وتهميش يهددان “العمود الفقري” لاقتصاد المزارعين