كيف تصنع المنصات رواية الحرب في سوريا؟
قد يبدأ الأمر بمقطع فيديو قصير لرتل عسكري، من دون تاريخ واضح أو موقع يمكن التحقق منه. ينشره حساب مرفقاً بتحذير عاجل، ثم تتلقفه صفحات أخرى، ويضيف مستخدمون إليه تفاصيل لا تظهر في التسجيل نفسه. خلال ساعات، يتراجع السؤال الأساسي: هل الفيديو حقيقي؟ لتحل محله أسئلة أكثر إثارة للقلق عن الجهة التي تقف وراءه وما الذي يُراد بسوريا.
وحين يصل التصحيح، يكون المقطع قد حقق أثراً يصعب التراجع عنه: أثار الخوف، واستدعى اصطفافات سياسية جاهزة، ورسخ انطباعاً أولياً لدى الجمهور.
هذه المادة تستند إلى رصد ما جرى في الفضاء السوري على منصات التواصل الاجتماعي خلال شهر آب/أغسطس 2026 وحده. ولا يمثل هذا الرصد حكماً على المجال الرقمي السوري خلال فترة زمنية أطول. أما الدراسات السابقة الواردة هنا، فتُستخدم لتفسير الأنماط التي ظهرت خلال الشهر، ولا تدخل ضمن فترة الرصد نفسها.
عندما يصبح الانتشار قيمة بحد ذاته
تكشف أمثلة آب ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الانتشار”، حيث لا ترتبط قيمة المعلومة بدقتها وحدها، بل بقدرتها على الانتقال بين المستخدمين، وبحجم الانفعال الذي تثيره، وبالأطراف التي تدفعها إلى الواجهة.
فالمنصة تقيس نجاح المحتوى من خلال مؤشرات مثل النقرات والتعليقات والتفاعل، ثم قد تعيد تقديمه إلى مزيد من المستخدمين لأن الجمهور خاف منه أو غضب بسببه. وفي هذه الحلقة، يمكن أن يتحول حجم الانتشار نفسه إلى مؤشر مضلل على المصداقية: ما يراه عدد كبير من الناس يبدو، بمرور الوقت، أكثر جدارة بالتصديق لمجرد أنه منتشر.
وتدعم دراسة نشرها سوروش فوسوغي وديب روي وسينان آرال في مجلة “ساينس” عام 2018 هذا النمط على نطاق أوسع. فقد تتبع الباحثون نحو 126 ألف سلسلة خبرية جرى تداولها على تويتر بين عامي 2006 و2017، وخلصوا إلى أن الأخبار الكاذبة وصلت إلى عدد أكبر من المستخدمين وانتقلت بسرعة أكبر من الأخبار الصحيحة. كما أظهرت الدراسة أن الحسابات الآلية لم تكن التفسير الوحيد، إذ لعب انجذاب المستخدمين إلى الأخبار الجديدة والصادمة دوراً مهماً في انتشارها.
فيديوهات التحشيد تسبق التحقق
ظهر هذا النمط في التسجيلات التي تداولها مستخدمون على أنها توثق “تحشيدات” على الحدود السورية-العراقية. وأظهرت عمليات التحقق أن بعض المقاطع لم تكن توثق التحركات التي نُسبت إليها، فيما تعود مواد أخرى إلى فترات سابقة أو التُقطت في أماكن مختلفة، قبل تقديمها باعتبارها مؤشرات على تصعيد وشيك.
لكن إثبات المصدر الأصلي للمقطع لا يعني بالضرورة محو تأثيره. فالمستخدم الذي شاهد الفيديو للمرة الأولى عبر صفحة يثق بها قد لا يصل إليه التصحيح، أو قد يتعامل معه باعتباره موقفاً سياسياً مضاداً، وليس نتيجة لعملية تحقق من المعلومات.
ولا يصعب تفسير سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى في مجتمع عاش سنوات من الحرب. فالخبر العاجل ارتبط لدى كثير من السوريين باحتمال أن يسبق الخطر إلى منازلهم، ما يجعل التريث أحياناً يبدو وكأنه مخاطرة.
هنا تستفيد الشائعة من استعداد نفسي قائم أصلاً، بينما تستفيد المنصة من التفاعل الذي ينتجه الخوف. ويلتقي القلق الحقيقي، في هذه الحالة، مع نظام توزيع للمحتوى لا يهتم بالضرورة بسبب الخوف بقدر اهتمامه بقدرته على جذب الجمهور.
امتحانات السويداء: قضية تعليمية تتحول إلى اختبار للثقة
لم يقتصر النمط على مقاطع التصعيد العسكري. ففي الجدل الذي رافق امتحانات طلاب السويداء، بدأت القضية بترتيبات الدورة الاستثنائية، قبل أن تنتقل سريعاً إلى نقاش أوسع بشأن الثقة بالدولة وحدود حضورها في المحافظة.
قدمت حسابات القرار باعتباره إجراءً لحماية حق الطلاب في التقدم للامتحان، في حين وضعته حسابات أخرى ضمن سياق التوتر السياسي والأمني القائم بين السويداء وسلطة دمشق.
الخلاف في جذوره ليس افتراضياً، بل مرتبط بوقائع على الأرض. إلا أن الصفحات المحلية والحسابات الرسمية ومجموعات الناشطين نقلت روايات مختلفة إلى جماهير متباعدة، حتى بدا النقاش الرقمي وكأنه يدور حول واقعتين منفصلتين.
وتشير دراسة تناولت ملايين التفاعلات عبر أربع منصات إلى تفاوت غرف الصدى، وهي الدوائر الرقمية التي يطغى فيها تعرض المستخدمين على آراء ومصادر قريبة من مواقفهم. وتظهر هذه الغرف عندما يتجمع المستخدمون حول مصادر ومواقف متقاربة.
لا تنشئ الشبكات الاجتماعية أزمة الثقة السورية من الصفر، كما أنها لا تكتفي بعكسها. لكنها تستطيع تغيير كلفة الانتماء إلى أحد طرفيها. فالموقف الحاد قد يجذب حضوراً وتفاعلاً أكبر، بينما يمكن أن يُفسر الاعتراف بمخاوف الطرف الآخر باعتباره ضعفاً أو خيانة. وفي هذه البيئة، تصبح المحافظة على موقع الفرد داخل جماعته أهم أحياناً من اختبار الرواية التي تتبناها تلك الجماعة.
ذاكرة الحرب حاضرة في خصومات اليوم
لا تظهر ذاكرة الحرب في النقاش السوري على الإنترنت بوصفها مجرد خلفية تاريخية، بل تؤدي دوراً سياسياً مباشراً في تحديد ما يعتبره كل طرف عدلاً أو خيانة. ولهذا يمكن لخلاف راهن ومحدود أن يتحول خلال ساعات إلى مواجهة أوسع بشأن المسؤولية والضحايا وشرعية المرحلة الجديدة.
داخل الدوائر الرقمية المتجانسة، تتكرر الروايات التي تعزز براءة “نحن” وإدانة “هم”. ويكفي أن ينتقي المستخدم من الذاكرة ما ينسجم مع موقفه ويتجاهل ما يربكه، لتزداد مع كل جولة كلفة الاعتراض من داخل المجموعة. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الطرف الأكثر تشدداً أكثر قدرة على رسم حدود الجماعة وحمايتها.
وأظهرت دراسة تناولت التفاعل السياسي على فيسبوك وتويتر أن مهاجمة الجماعة المقابلة كانت من أقوى مؤشرات المشاركة. فالحديث السلبي عن الخصم يجذب الانتباه بدرجة أكبر من الثناء على الحلفاء.
وفي الحالة السورية، لا يتوقف هذا السلوك عند حدود الشاشة. إذ يمكن أن يضغط على فرص المصالحة، ويجعل التسوية أكثر كلفة سياسياً واجتماعياً على من يطرحها.
فجوة بين الخطاب الرسمي والجمهور
في المقابل، ظل حضور مؤسسات الدولة السورية على المنصات، في الغالب، قريباً من نموذج البيان الرسمي: لغة ثقيلة، واستجابة بطيئة، ومسافة واضحة عن الجمهور.
وتبرز في هذا السياق مفارقة مع إطلاق وزارة الإعلام حساب “Syrian Response” باللغة الإنجليزية. ففي الوقت الذي ظل فيه الخطاب الموجه إلى المجتمعات السورية المحلية ثقيلاً وبطيئاً، اتجهت اللغة الأكثر مرونة إلى الجمهور الخارجي، بينما بقي الداخل أمام فجوة في المعلومات والثقة.
وتزيد هذه الفجوة من صعوبة منافسة الروايات التي تتحرك بسرعة عبر المنصات، خصوصاً عندما تكون المعلومة الرسمية متأخرة عن القصة التي تكونت بالفعل لدى الجمهور.
زيارة راغب علامة تعيد سؤال العودة إلى الحياة العامة
امتد النقاش نفسه إلى المجال الثقافي مع الجدل الذي رافق زيارة راغب علامة إلى سلطة دمشق. فقد رأى فريق في الزيارة مؤشراً على عودة الفن والسياحة، بينما استعاد آخرون مواقف سابقة للفنان، واعتبروا استقباله تجاوزاً سريعاً لذاكرة الضحايا.
لكن السجال تجاوز الزيارة نفسها. فهو يعكس خلافاً أوسع حول المرجعية التي ينبغي أن تحدد شروط العودة إلى الحياة العامة بعد حرب طويلة.
تختزل المنصات في كثير من الأحيان هذا السؤال الأخلاقي والسياسي المعقد في مواقف نهائية، وتدفع المستخدم إلى إعلان موقعه قبل مناقشة المعايير التي يفترض أن تحكم العودة. ونتيجة لذلك تضيق مساحة التوافق حول صيغة تسمح باستئناف الحياة العامة مع مراعاة الجراح، من دون أن تتحول الذاكرة في الوقت نفسه إلى حق دائم في منع بناء مستقبل مشترك.
وليس كل جدل رقمي مؤشراً مرضياً بالضرورة؛ فقد يكشف النقاش خلافات كانت تجري في السابق بعيداً عن العلن. إلا أن المشكلة تبدأ عندما تنحاز آليات التوزيع إلى النسخ الأكثر غضباً من ذلك الخلاف وتعرضها كما لو أنها تمثل المجتمع بأكمله.
فضاء سوري يتجاوز الحدود
تزداد المسألة تعقيداً لأن الفضاء الرقمي السوري لا يتوقف عند حدود جغرافية واحدة. فالمقيم واللاجئ والصحفي الموجود خارج البلاد يشاركون في النقاشات نفسها، لكنهم لا يواجهون المخاطر ذاتها، ولا ينظرون إلى المؤسسات من المسافة نفسها.
وهذا الاختلاف في المواقع والتجارب لا يمنع المشاركة في النقاش، لكنه يعني أن الرواية الواحدة قد تحمل دلالات مختلفة تماماً بالنسبة إلى جماهير تعيش ظروفاً متباينة.
لماذا يصل التصحيح متأخراً؟
في كثير من الحالات، يصل التصحيح بعدما تكون الشائعة قد ملأت فراغاً معلوماتياً وصاغت الانطباع الأول. ويجتمع بطء المعلومة الرسمية مع إعادة وسائل الإعلام عرض المقطع أثناء تفنيده، وضعف القدرة على تتبع أصل الصور، ليشكل ذلك حلقات في مسار واحد يمنح الرواية المثيرة أفضلية زمنية.
وبمجرد استقرار الانطباع الأول، تصبح مهمة سحبه من التداول أصعب من إثبات بطلانه أمام الجمهور.
ولا تقع المسؤولية هنا على المستخدم وحده. فتقنيات تصميم المنصات تسمح بإعادة تدوير المواد التي جرى تفنيدها، فيما يظل الإشراف على المحتوى العربي محدود الحساسية تجاه السياقات المحلية.
وفي الاتجاه الآخر، يطرح التجريم الفضفاض لـ”الأخبار الكاذبة” مشكلة إضافية، إذ قد يخلط بين التضليل المنظم والنقد السياسي. وعندها يمكن أن تتحول محاربة الشائعة نفسها إلى عامل جديد في تراجع الثقة بالمؤسسات العامة.
في النهاية، لا تتشكل الهوية السورية الرقمية من مضمون المنشورات وحده، بل أيضاً من المؤسسات والآليات التي تحدد ما يصل إلى الجمهور أولاً، وما يتكرر أمامه، وما يتراجع أو يختفي.
وعندما تضعف الثقة بالمصادر وتغيب قواعد واضحة للإثبات، تصبح الرواية الأكثر إثارة أقدر على الوصول من الرواية الأكثر دقة. عندها لا تعود الشاشة مجرد قناة لنقل الخلافات السورية، بل تصبح جزءاً من الصراع نفسه: صراع على تعريف الجماعة، وعلى قراءة ذاكرتها، وعلى تحديد ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها.
إقرأ أيضاً: خطاب الكراهية على منصات التواصل في سوريا: كيف تُغذي غرف الصدى الانقسام المجتمعي؟