دعوى ضد صحفي في حلب بسبب انتقادات لمجلس المدينة والتهمة “التحريض على القتل”

تعود قضية حرية الصحافة في سوريا إلى الواجهة من بوابة حلب، بعد إعلان الصحفي عبد الرحمن إسماعيل أن رئيس مجلس المدينة طلال جابري رفع دعوى بحقه بتهمة “التحريض على القتل”، على خلفية منشورات انتقد فيها أداء المجلس، وأثار من خلالها شبهات تتعلق بالإنفاق العام وشراء سيارات حديثة.

وقال إسماعيل إن الدعوى انتقلت إلى الأمن الجنائي، مع إصدار بطاقة بحث بحقه، معتبراً أن الإجراءات المتخذة بحقه تمثل شكلاً من أشكال الاعتقال التعسفي. وفي منشور له، دعا إلى حملة لإسقاط رئيس مجلس مدينة حلب، مؤكداً في الوقت نفسه استمراره في عمله الصحفي.

وأثارت القضية موجة تضامن من صحفيين وحقوقيين وناشطين، بينهم عاملون في جهات حكومية، رأوا أن الدعوى جاءت على خلفية منشورات إسماعيل الناقدة لعمل المحافظة والمجلس، في وقت يكرر فيه الصحفي منذ سنوات انتقاداته لمستوى الحوكمة والشفافية وإدارة المال العام في حلب.

منشورات نقدية تتحول إلى دعوى

يرتبط جوهر القضية بمنشور انتقد فيه إسماعيل إنفاق أكثر من نصف مليون دولار على نحو 20 سيارة “بيك آب”، تبلغ قيمة الواحدة منها نحو 27 ألف دولار، متسائلاً عن جدوى هذا الإنفاق في ظل احتياجات خدمية أخرى للمدينة.

وفي ختام المنشور، استخدم إسماعيل عبارة اعتبرها متعاطفون معه السبب الرئيسي وراء تحريك الدعوى، بعدما تحدث عن احتمال تجمع مواطنين أمام منزل جابري والمطالبة بمحاسبته. ولم يصدر عن رئيس المجلس، حتى الآن، تعليق معلن على الدعوى أو الحملة التضامنية مع الصحفي.

وتفتح القضية سؤالاً أوسع من حدود الخلاف بين صحفي ومسؤول: هل تتحول الانتقادات الموجهة إلى مؤسسات الإدارة المحلية إلى ملفات أمنية وقضائية بدلاً من أن تكون مدخلاً للتحقيق والرد العلني وتقديم الوثائق؟

سيارات حديثة مقابل احتياجات المدينة

كان قرار مجلس مدينة حلب استقدام سيارات حديثة قد أثار انتقادات سابقة، خصوصاً مع استمرار النقص في الآليات الخدمية المرتبطة مباشرة باحتياجات السكان، ومنها عربات ترحيل القمامة.

في المقابل، دافع جابري عن القرار، معتبراً أن استبدال السيارات القديمة جزء من معالجة الهدر والفساد. وقال إن بعض مركبات المجلس يتجاوز عمرها 50 عاماً، وإن ارتفاع استهلاكها للوقود وتكاليف صيانتها يجعل استبدالها أكثر جدوى اقتصادياً.

كما أشار إلى أن مركبات مخصصة للجان الإشراف على المشاريع والتراخيص كانت غالباً خارج الخدمة، ما يدفع الموظفين إلى استخدام آليات أصحاب الطلبات، وهو ما اعتبره باباً لممارسات فساد ينبغي إغلاقه.

لكن غياب كشف تفصيلي وشفاف للرأي العام حول كلفة الاستبدال، ومعايير اختيار المركبات، وأولويات الإنفاق، يجعل الروايتين المتقابلتين معلقتين في فضاء من الشك، فيما تبدو الحكومة الانتقالية عاجزة عن توفير البيئة المؤسسية التي تحسم هذه الخلافات بالوثائق لا بالبلاغات والدعاوى.

سوابق تثير القلق

ولا تأتي قضية إسماعيل بمعزل عن وقائع سابقة طالت صحفيين وناشطين على خلفية شكاوى تقدم بها مسؤولون. ففي حزيران الماضي، أوقف الناشط رائد الحمدو على خلفية شكوى تقدم بها مسؤول منطقة القطيفة بريف دمشق، قبل أن يُفرج عنه خلال أقل من 24 ساعة بعد إسقاط الدعوى.

وسبق ذلك توقيف الناشط والمخرج حسان عقاد على خلفية دعاوى مرتبطة بالتشهير والذم والقدح وفق قانون الجرائم الإلكترونية.

وتعيد هذه الوقائع طرح مشكلة أعمق في المشهد السوري الجديد: فبدلاً من أن تُعامل الصحافة بوصفها أداة رقابة على أداء المؤسسات، يمكن أن تجد نفسها أمام إجراءات أمنية وقضائية كلما اصطدمت أسئلتها بمسؤول نافذ. ومع غياب الشفافية الكافية حول المال العام وآليات المحاسبة، يصبح الخلاف على منشور صحفي انعكاساً لأزمة أكبر في العلاقة بين السلطة والإعلام، وهي أزمة لا يبدو أن الحكومة الانتقالية قدمت حتى الآن إطاراً واضحاً لحسمها.

 

اقرأ أيضاً: توقيف صحفي بعد خلاف على ركن سيارة.. روايتان متعارضتان وأسئلة عن أداء الأمن في دمشق

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.