مظلوم عبدي يفتح قنوات مع تركيا ويطالب بضمانات دستورية للكرد: سوريا أمام اختبار المرحلة الجديدة

في مشهد سوري لم تستقر ملامحه السياسية بعد، يطرح مظلوم عبدي، مستشار الرئاسة السورية، انتقالاً جديداً في العلاقة بين دمشق وأنقرة وبين الدولة السورية والكرد، عنوانه الحوار بدل المواجهة، والعمل السياسي بدل السلاح. لكن خلف هذا الخطاب الهادئ تقف ملفات ثقيلة لم تحسمها المرحلة الانتقالية، من شكل الدولة المقبلة وحقوق الكرد إلى مستقبل المناطق التي شهدت سنوات من الصراع، وسط غياب تصور حكومي واضح ومتكامل لكيفية إدارة هذه الملفات.

وقال عبدي، في مقابلتين مع وسائل إعلام تركية، إن العلاقات بين سوريا وتركيا، وكذلك بين الكرد وتركيا، ينبغي أن تنتقل إلى “أرضية طبيعية وبنّاءة”، مشيراً إلى استمرار قنوات الاتصال والحوار بين الأطراف، ومعتبراً أن تطوير العلاقة مع أنقرة يصب في مصلحة سوريا والسوريين.

من السلاح إلى السياسة

ويقدم عبدي المرحلة الحالية باعتبارها فرصة للخروج من دائرة الحرب، مؤكداً رفضه العودة إلى المواجهة العسكرية بعد نحو 15 عاماً من الصراع. ويرى أن الكرد أمام مرحلة مختلفة تقوم على العمل السياسي والدستوري والمشاركة في بناء الدولة السورية.

وفي هذا السياق، رفض وصف اندماج “قسد” في الجيش السوري بأنه استسلام، قائلاً إن عناصرها وقياداتها انضموا إلى الجيش ضمن ألوية، وإن الهدف هو تعزيز منظومة الدفاع السورية.

غير أن الانتقال من واقع عسكري إلى آخر سياسي لا يبدو مهمة سهلة، خصوصاً في ظل غياب تفاصيل كافية حول شكل المشاركة السياسية للكرد وضمانات تنفيذ التفاهمات التي جرى التوصل إليها.

حقوق معلقة على دستور لم يولد بعد

ويضع عبدي الحقوق الكردية في صلب المرحلة المقبلة، مطالباً بضمانات دستورية للحقوق القومية والثقافية واللغوية والإدارية. كما يعتبر إدخال اللغة الكردية إلى المناهج الرسمية خطوة مهمة، لكنها لا تلبي كامل المطالب الكردية، مقارنة بما كان قائماً في شمال شرقي سوريا.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بما يطالب به الكرد، بل بقدرة الحكومة الانتقالية على تحويل الوعود السياسية إلى قواعد دستورية ومؤسساتية واضحة. فحتى الآن، تبدو ملفات جوهرية في الدولة الجديدة معلقة على ترتيبات لم تستقر، فيما يزداد الحديث عن الشراكة السياسية من دون أن تتضح حدودها وآلياتها.

أنقرة حاضرة في الحسابات السورية

ولا يفصل عبدي بين الملف الكردي السوري والمسار السياسي الجاري في تركيا، معتبراً أن التطورات بين أنقرة والكرد هناك يمكن أن تنعكس على سوريا. كما يرى أن لتركيا دوراً متزايداً في المرحلة المقبلة، خصوصاً في الاقتصاد وإعادة الإعمار.

وهذا الحضور التركي المتزايد يضع دمشق أمام اختبار صعب: كيف يمكن بناء قرار سوري مستقل ومتوازن، من دون أن تتحول الملفات الداخلية إلى أوراق مرتبطة بتفاهمات إقليمية تتجاوز حدودها؟

عفرين ورأس العين.. عودة مؤجلة

أما ملف عفرين ورأس العين، فما يزال يحمل جانباً آخر من تعقيدات المرحلة. ويقول عبدي إن عودة السكان إلى عفرين بدأت جزئياً، لكنها تواجه ملفات تتعلق بالأمن والتعليم والإدارة والملكية، بينما لم تبدأ العودة إلى رأس العين بصورة كاملة.

وتكشف هذه الملفات حجم الفجوة بين الإعلان السياسي وبين الواقع الميداني؛ فعودة السكان ليست مجرد قرار إداري، وإنما تحتاج إلى ترتيبات أمنية وقانونية وإدارية وضمانات فعلية للملكية والحقوق.

مستشار في دمشق وملفات في الحسكة

بعد إعلانه حل “قسد” واستكمال عملية دمجها في مؤسسات الدولة، عُيّن عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهورية. ويقول إن مهمته تتجاوز الملف الكردي إلى المساهمة في بناء الدولة السورية، داعياً إلى حضور مختلف المكونات في مؤسساتها.

لكن نجاح هذا الدور سيبقى مرتبطاً بما تستطيع الحكومة الانتقالية فعله على الأرض، لا بما تقوله بياناتها أو تصريحات مسؤوليها. فالدولة التي ما تزال تعيد ترتيب مؤسساتها تحتاج إلى قواعد واضحة للمشاركة والتمثيل، وإلى قدرة حقيقية على إدارة التنوع، لا إلى ترحيل الملفات الحساسة من مرحلة إلى أخرى.

وفيما يدعو عبدي إلى عدم التشاؤم، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بكمّ كبير من الأسئلة المؤجلة: ما شكل الدولة؟ وكيف ستضمن حقوق مكوناتها؟ وما حدود العلاقة مع القوى الإقليمية؟ والأهم، هل تستطيع الحكومة الانتقالية إنتاج صيغة سياسية تستوعب هذه التناقضات، أم أن “المرحلة الجديدة” ستبقى مجرد عنوان واسع لملفات لم تجد طريقها بعد إلى الحل؟

 

اقرأ ايضاً: مظلوم عبدي وإلهام أحمد في دمشق لإجراء مباحثات مع مسؤولين سوريين

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.