مخاطر المناخ في سوريا تحت التدقيق.. أكثر من 100 ملاحظة تكشف فجوة البيانات والتخطيط

في بلد تتسع فيه دوائر الجفاف ويتراجع مخزون المياه ويصبح الموسم الزراعي أكثر هشاشة، ما تزال سوريا تبحث عن خريطة واضحة تقول أين ستكون الضربة التالية. دراسة أعدتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” لتقييم مخاطر التغيرات المناخية تخضع اليوم لمراجعة حكومية، بعدما سجلت اللجنة الوطنية المكلفة بتدقيقها أكثر من 100 ملاحظة على منهجيتها ومؤشراتها ومخرجاتها.

ولا تبدو المشكلة في الدراسة وحدها، بل في البيئة التي يفترض أن تستخدم نتائجها. فالدولة التي تتحدث عن التخطيط للمياه والزراعة والطاقة وإدارة الكوارث حتى عام 2040، ما تزال تفتقر إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة ومحدثة تستطيع أن تمنح هذه الخطط أساساً صلباً.

أكثر من 100 ملاحظة على دراسة “الفاو

قادت وزارة الإدارة المحلية والبيئة عملية التدقيق عبر لجنة فنية ضمت ممثلين عن وزارات الطاقة والزراعة والطوارئ وإدارة الكوارث والهيئة العامة للاستشعار عن بعد، لمراجعة الدراسة من جوانبها المرجعية والمنهجية والفنية والهيكلية.

وبحسب مدير إدارة التغيرات المناخية والتوعية البيئية أنس رحمون، شملت الملاحظات أكثر من 100 نقطة، بينها جوانب لغوية وفنية وملاحظات على طريقة احتساب بعض المؤشرات وأوزانها، إضافة إلى ثغرات في ربط النتائج بواقع الموارد المائية والزراعة والنظم البيئية في سوريا.

وسجلت اللجنة، خصوصاً، نقصاً في توضيح انعكاسات تغيرات المياه على الاحتياجات المستقبلية، وغياب مؤشرات رأت ضرورة إدراجها، مثل الجفاف الهيدرولوجي والآفات والأوبئة الزراعية، إلى جانب الحاجة إلى منهج تنفيذي أوضح يحدد البدائل المناسبة للتكيف مع مستوى الخطر.

خرائط للمناطق الأكثر هشاشة

تقدم الدراسة خرائط مكانية تحدد ما تسميه “البؤر الساخنة مناخياً”، اعتماداً على ثلاثة عناصر رئيسية هي الخطر والتعرض والهشاشة. ومن المفترض أن تساعد هذه الخرائط الحكومة الانتقالية في تحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل أسرع، وتوجيه الموارد والمشاريع نحوها.

لكن قيمة أي خريطة تبقى محدودة عندما تكون البيانات التي تغذيها ناقصة أو غير محدثة. وتشير الأكاديمية يارا الويش إلى أن البيانات المحلية أكثر تفصيلاً في ملفات مثل توزيع المحاصيل وحالة البنية التحتية المائية، بينما توفر الدراسات الدولية إطاراً أوسع يمكن دمجه مع البيانات الوطنية.

وتقترح الويش إنشاء بنك معلومات وطني موحد، وتحديث مؤشرات الهطل والحرارة ومخزون السدود والمياه الجوفية والغطاء النباتي والإنتاج الزراعي بصورة مستمرة، بدلاً من تركها موزعة بين مؤسسات وملفات منفصلة.

الجفاف لم يعد أزمة موسمية

تبدو ندرة المياه في مقدمة المخاطر التي تواجه سوريا. فالجفاف لم يعد حدثاً موسمياً عابراً، بل يتحول تدريجياً إلى ضغط مزمن على الزراعة والأمن الغذائي والمياه الجوفية والموارد السطحية، بالتزامن مع ظواهر أكثر حدة مثل الفيضانات وحرائق الغابات.

ومع ذلك، ما تزال الاستجابة الحكومية تتحرك بدرجة كبيرة من منطق رصد الضرر بعد وقوعه، أكثر من بناء منظومة متكاملة تمنع تحوله إلى كارثة. فالدراسات تتأخر، والبيانات تحتاج إلى تصويب، والخطط تنتظر التمويل، بينما تتغير الظروف المناخية بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على مواكبتها.

اختبار للحكومة الانتقالية

بعد تصويب الدراسة وإعادة تدقيقها، يفترض أن تتحول نتائجها إلى مرجع لتوجيه مشاريع المياه والزراعة والطاقة والبيئة والطوارئ بين عامي 2026 و2040. لكن الاختبار الحقيقي للحكومة الانتقالية لن يكون في اعتماد الدراسة، بل في استخدامها.

فلا معنى لخريطة تحدد مناطق الخطر إذا لم تُترجم إلى مشاريع لحماية المياه، ومحاصيل أكثر مقاومة للجفاف، وبنية تحتية تراعي الفيضانات والحرائق، ونظم إنذار مبكر تعمل قبل وقوع الكارثة.

المشكلة أن سوريا لا ينقصها فقط تشخيص المخاطر، بل ينقصها أيضاً انتظام الدولة في جمع البيانات وتحويلها إلى قرار. وفي ظل استمرار هذا التأخر، قد يصبح المناخ أسرع من الإدارة، وتتحول الخريطة التي يجري إعدادها اليوم إلى وصف متأخر لكارثة بدأت بالفعل.

 

اقرأ أيضاٌ: أزمة موسم حصاد القمح في إدلب: تحديات المناخ وتكلفة الإنتاج

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.