خطوط إسرائيل الحمراء في سوريا.. لماذا تقلق تل أبيب من النفوذ التركي؟

تتجه الحسابات الإسرائيلية في سوريا إلى التعامل مع النفوذ التركي باعتباره أحد العوامل التي يمكن أن تغير طبيعة البيئة العسكرية التي تعمل فيها تل أبيب، خصوصاً مع احتمال مشاركة أنقرة في إعادة بناء القدرات العسكرية السورية وتزويدها بتقنيات تشمل الرادارات والطائرات المسيرة ومنظومات الدفاع الجوي.

وبرز هذا التوتر في أعقاب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب، وسط تقارير إسرائيلية تحدثت عن استعداد تركيا لنشر تجهيزات عسكرية في الموقع. وبينما لا تزال تفاصيل الخطط التركية غير معلنة بشكل كامل، تكشف التغطية الإسرائيلية عن قلق متزايد من أن يؤدي أي انتشار عسكري تركي متقدم إلى تقييد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي داخل الأجواء السورية.

ولا تقتصر الحسابات الإسرائيلية على شمال غربي سوريا، إذ تشمل أيضاً الجنوب والجولان، حيث تواصل تل أبيب مراقبة التحركات السورية والفصائل المسلحة قرب الحدود، في وقت تحاول فيه تجنب تحول التنافس مع تركيا إلى مواجهة مباشرة.

أبو الظهور.. اختبار للنفوذ التركي

بحسب ما أوردته “القناة 12” الإسرائيلية، يتمثل أحد مصادر القلق الرئيسية في احتمال إدخال تركيا أسلحة وتقنيات عسكرية متطورة إلى سوريا، في إطار دعمها لإعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية.

وترى القناة أن استهداف أبو الظهور حمل رسالة إلى كل من أنقرة ودمشق مفادها أن إسرائيل لن تقبل بوجود قدرات عسكرية يمكن أن تحد من حرية عملياتها، ومن بينها طائرات مسيرة متطورة أو منظومات دفاع جوي أو صواريخ دقيقة.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، كانت تركيا تستعد لتشغيل بعض هذه المنظومات بنفسها، ضمن جهودها لدعم إعادة بناء الجيش السوري. ومن شأن ذلك، وفق هذه التقديرات، أن يضيف بعداً جديداً إلى البيئة العسكرية التي اعتادت إسرائيل العمل فيها خلال السنوات الماضية.

وتكمن الحساسية الإسرائيلية في احتمال إنشاء بنية عسكرية قادرة على مراقبة المجال الجوي أو تهديد الطائرات الإسرائيلية، ما قد يفرض على تل أبيب حسابات مختلفة عند تنفيذ عمليات داخل سوريا.

“حرية العمل” في مواجهة قدرات دفاعية جديدة

شكلت حرية الحركة الجوية إحدى الركائز الأساسية للنشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا خلال السنوات الماضية، ولا سيما ضمن ما عرف بـ”الحرب بين الحروب”.

وخلال هذه الفترة، نفذت إسرائيل عدداً كبيراً من الضربات ضد أهداف مرتبطة بإيران وحلفائها، في ظل غياب منظومات دفاع جوي قادرة على فرض قيود كبيرة على حركة طائراتها.

ومن هذا المنظور، تنظر إسرائيل إلى احتمال دخول طرف عسكري جديد يمتلك قدرات رادارية ودفاعية متطورة باعتباره تطوراً قد لا يغير أهداف العمليات فقط، بل البيئة التي تنفذ فيها هذه العمليات.

ولهذا، فإن القلق الإسرائيلي من الدور التركي لا يرتبط بمجرد وجود عسكري لأنقرة، وإنما بطبيعة القدرات التي يمكن أن ترافق هذا الوجود ومدى قدرتها على التأثير في حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.

كيف تتعامل إسرائيل مع تركيا؟

وفي الوقت الذي تظهر فيه مواقف إسرائيلية علنية حادة تجاه تركيا، تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى وجود تباين داخل المؤسسة الأمنية بشأن الطريقة الأنسب لإدارة الخلاف مع أنقرة.

وبحسب “القناة 12″، أبدت المؤسسة الأمنية تحفظات على تصريحات علنية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس بشأن تركيا، مفضلة إبقاء بعض جوانب الخلاف بعيداً عن العلن لتجنب تحول التوتر إلى مواجهة سياسية وأمنية مباشرة.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول أمني أن تل أبيب تجري “حواراً سرياً مع تركيا لمنع الاحتكاك”، موضحاً أن إسرائيل لا تريد تحويل أنقرة إلى عدو، لكنها مستعدة للتحرك إذا لم تحقق الرسائل السياسية والأمنية أهدافها.

وفي السياق نفسه، نقلت الهيئة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن تركيا كانت تستعد لنشر رادار في مطار أبو الظهور، على أن تتبعه منظومات دفاع جوي يشغلها جنود أتراك.

ولم تحدد المصادر الإسرائيلية موعداً متوقعاً لوصول هذه المنظومات أو بدء تشغيلها، لكنها اعتبرت أن نشرها يمكن أن يؤثر في ميزان القوى داخل سوريا.

وبحسب التحليلات الإسرائيلية، تحاول تل أبيب منع أي انتشار عسكري تركي قد يقيد عملياتها، مع تجنب تحويل هذا التنافس إلى صدام مباشر مع أنقرة، التي تعد عضواً في حلف شمال الأطلسي وتمتلك نفوذاً متزايداً في سوريا.

الجنوب والجولان ضمن الحسابات الإسرائيلية

تمتد المخاوف الإسرائيلية أيضاً إلى جنوب سوريا، حيث تعتبر تل أبيب الجولان والمناطق المحيطة به جبهة تتطلب مراقبة مستمرة.

ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية، يرى الجيش أن الهدوء الظاهر على الجانب السوري من الجولان قد يكون مضللاً، ولذلك يراقب التحركات قرب الحدود، بما في ذلك حركة الأشخاص والمركبات في المناطق المحاذية للمنطقة العازلة.

وتتولى كتيبة الاستطلاع 595، بحسب هذه التقارير، متابعة المنطقة ورصد مؤشرات قد تدل على إنشاء بنية عسكرية أو ظهور خلايا مسلحة بالقرب من الحدود.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن السلطة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تركز في المرحلة الحالية على تثبيت سيطرتها في دمشق، في حين يبقى وجودها العسكري قرب هضبة الجولان محدوداً، ولا يشمل انتشاراً واسعاً للدبابات أو المدفعية أو قوات المشاة الثقيلة.

وبحسب الرواية ذاتها، يقتصر الوجود السوري في أجزاء من المنطقة على وحدات أمنية وشرطية خفيفة، بينما تواصل إسرائيل منع الجيش السوري من العودة عسكرياً إلى المنطقة العازلة، التي أصبحت عنصراً رئيسياً في حساباتها الأمنية جنوب سوريا.

خلايا مسلحة ومعلومات غير مكتملة

تقدر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وجود خلايا جهادية ومجموعات مسلحة مختلفة في جنوب سوريا، لكنها تقر، وفق التقارير الإسرائيلية، بأن هوية الجهات التي تقف وراء بعض التحركات التي تعتبرها مشبوهة ليست واضحة دائماً.

وقد تكون بعض هذه التحركات مرتبطة بمجموعات مسلحة، أو بعناصر تابعة للسلطة السورية، وفق التقديرات نفسها.

وفي الوقت ذاته، ترى تقديرات إسرائيلية أن دمشق لا تمتلك حالياً قدرة عسكرية كبيرة على تحدي إسرائيل في الجولان، في ظل انشغال الحكومة السورية بتثبيت سلطتها وإعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش.

هل كانت المشكلة في الضربة أم في إعلانها؟

إلى جانب طبيعة الضربة الإسرائيلية، برز خلاف داخل إسرائيل حول الطريقة التي أُديرت بها سياسياً وإعلامياً.

وأشارت صحيفة “معاريف” إلى استمرار التوتر بين إسرائيل وتركيا بالتزامن مع مواقف تركية حادة تجاه نتنياهو وأعضاء حكومته وقادة الجيش الإسرائيلي.

أما المحلل العسكري في صحيفة “إسرائيل اليوم” يوآف ليمور، فاعتبر أن الجدل الإسرائيلي لا يتعلق بالضرورة بتنفيذ الضربة ذاتها، بقدر ما يرتبط بكيفية تقديمها والإعلان عنها.

وأشار ليمور إلى أن إسرائيل نفذت خلال السنوات الماضية آلاف الضربات في سوريا ضمن سياسة “الحرب بين الحروب”، لكنها امتنعت في كثير من الحالات عن إعلان مسؤوليتها عنها.

ويرى أن الإعلان الصريح عن الجهة المستهدفة بالرسالة العسكرية، سواء كانت إيران أو “حزب الله” في مراحل سابقة أو تركيا حالياً، قد يضع الطرف الآخر أمام ضغوط للرد، وبالتالي يرفع احتمالات التصعيد.

وبحسب ليمور، فإن الرهان على أن الإعلان العلني عن استهداف المصالح التركية سيدفع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى التراجع قد يكون غير دقيق، بل يمكن أن يؤدي، وفق تقديره، إلى نتيجة معاكسة ويدفع أنقرة نحو التصعيد.

حسابات إسرائيل تجاه الحكومة السورية

تتداخل هذه التطورات مع علاقة معقدة بين إسرائيل والحكومة السورية الجديدة، في ظل وجود اتصالات غير مباشرة أو سرية بين الطرفين.

ووفق ما أوردته “إسرائيل اليوم”، ترى أوساط إسرائيلية أن للرئيس السوري أحمد الشرع مصلحة في استمرار نوع من الوجود الإسرائيلي الأمني والاستخباري في الجنوب، ولا سيما في القنيطرة والمثلث الحدودي مع الأردن.

وتستند هذه الرؤية إلى تقدير إسرائيلي مفاده أن هذا الوجود يمكن أن يوفر لدمشق، وفق هذا التصور، غطاءً أمنياً في مواجهة بعض التهديدات القادمة من الشرق ومن الحدود مع العراق وإيران.

لكن هذه القراءة تبقى ضمن التقديرات والتحليلات الإسرائيلية، ولا تعني وجود موقف معلن من الحكومة السورية أو اتفاق معلن بين دمشق وتل أبيب بهذا الشأن.

في المقابل، تواصل دمشق المطالبة باحترام سيادتها ووقف العمليات الإسرائيلية داخل أراضيها، بينما تحاول الولايات المتحدة، وفق المعطيات الواردة في المادة، منع تحول التنافس التركي الإسرائيلي داخل سوريا إلى مواجهة مفتوحة.

سوريا في قلب التنافس التركي الإسرائيلي

تكشف التطورات الأخيرة أن ملف أبو الظهور يتجاوز القاعدة نفسها، ليرتبط بصراع أوسع حول شكل الترتيبات العسكرية والأمنية في سوريا الجديدة، وحجم النفوذ الذي يمكن لكل من القوى الإقليمية والدولية ممارسته فيها.

وتريد إسرائيل، وفق ما تنقله وسائل إعلامها، منع تشكل أي بنية عسكرية داخل سوريا يمكن أن تحد من حرية عملياتها، فيما بات النفوذ التركي أحد أبرز مصادر القلق لديها، خصوصاً إذا ترافق مع قدرات رادارية ودفاع جوي ووجود عسكري مباشر.

في المقابل، تعمل تركيا على توسيع دورها في إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، وهو مسار قد يضعها في تماس أكبر مع الحسابات الإسرائيلية كلما تحول الدعم إلى قدرات عسكرية فعلية على الأرض.

وفي الوقت نفسه، تحاول إسرائيل الإبقاء على قنوات التواصل مع أنقرة وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، بينما تواصل تحديد ما تعتبره حدوداً لا يمكن تجاوزها داخل سوريا.

وبين توسيع النفوذ التركي ومحاولة إسرائيل الحفاظ على حرية عملياتها، تبدو سوريا ساحة جديدة لاختبار العلاقة بين قوتين إقليميتين، فيما يبقى شكل الترتيبات العسكرية المقبلة عاملاً أساسياً في تحديد مستوى التصعيد بينهما.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.