تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا.. حرائق في جباتا الخشب وتوغلات متواصلة في القنيطرة ودرعا
لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب سورية أحداثاً متفرقة يمكن فصلها عن بعضها. فخلال أيام، انتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بين التوغل داخل البلدات، واستهداف الأراضي الزراعية، والتحليق العسكري فوق مناطق قريبة من خطوط التماس، فيما تبدو الحدود الجنوبية مفتوحة على واقع جديد تتحرك فيه القوة العسكرية الإسرائيلية بوتيرة أسرع من قدرة الحكومة السورية الانتقالية على فرض معادلة أمنية تمنع تكرار هذه الانتهاكات.
وفي أحدث التطورات، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد منتصف ليل الخميس-الجمعة أراضي زراعية جنوبي بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي بقنابل مضيئة، ما أدى إلى اندلاع حرائق في عدد من الدونمات الواقعة ضمن الشريط الحدودي المستحدث بعد سقوط النظام السابق.
ولا تبدو الحادثة منفصلة عن مسار تصعيدي أوسع، إذ شهدت المنطقة نفسها قبل أيام توغلاً عسكرياً واسعاً لقوات الاحتلال الإسرائيلي، تخللته مداهمة منازل واقتياد شخصين من أبناء البلدة إلى جهة لم تُعرف حتى الآن.
جباتا الخشب.. النار على الأرض والضغط على السكان
تحولت جباتا الخشب خلال الفترة الأخيرة إلى نقطة تماس مكشوفة أمام النشاط العسكري الإسرائيلي. فالتوغلات المتكررة، إلى جانب القصف والقنابل المضيئة، لا تضغط على البنية الأمنية للمنطقة فقط، بل تطاول حياة السكان وأراضيهم الزراعية، وتدفع الحدود عملياً نحو واقع جديد تفرضه القوة على الأرض.
وفي حوض اليرموك بريف درعا الغربي، تواصل الطيران المروحي الإسرائيلي تحليقه، بالتزامن مع استمرار حالة التوتر في المناطق الجنوبية، وسط مخاوف من أن تتحول هذه العمليات المتقطعة إلى نمط دائم من الحضور العسكري والضغط الأمني.
ويبدو الخطر هنا أكبر من حادث أمني عابر، لأن استمرار فرض الوقائع الميدانية من جانب واحد يضع سكان الجنوب أمام بيئة يصبح فيها الاستقرار نفسه مؤقتاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة.
دمشق بين الاحتجاج الدبلوماسي ومحدودية الفعل
في المقابل، تواجه الحكومة السورية الانتقالية معادلة شديدة الصعوبة. فهي لا تزال تعيد بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، فيما تتحرك قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب وفق حسابات أمنية وعسكرية لا يبدو أن دمشق تملك أدوات كافية لوقفها ميدانياً.
وتزداد المفارقة مع استمرار الحديث الإسرائيلي عن إمكانية استئناف التفاوض مع دمشق. فبينما تتحدث “إسرائيل” عن الحوار، تواصل قواتها على الأرض عمليات التوغل والاستهداف، بما يجعل التفاوض محاطاً بميزان قوة مختل، ويضع الحكومة الانتقالية أمام سؤال السيادة قبل سؤال التفاوض.
التوتر الإسرائيلي-التركي يوسع المشهد
ولا يجري هذا التصعيد في فراغ إقليمي. فالتوتر الإسرائيلي-التركي حول مستقبل الانتشار العسكري في سورية يضيف طبقة جديدة إلى المشهد.
وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب بثماني غارات، بعد زيارة وفد عسكري تركي للموقع، وفق المصادر الواردة في التقرير. ورغم نفي أنقرة وجود بعثة عسكرية تركية في المطار، فإن الواقعة كشفت مستوى الحساسية الذي بات يحكم أي حضور تركي محتمل داخل الأراضي السورية.
وتعني هذه التطورات أن الجنوب السوري لم يعد ملفاً محلياً محصوراً بين دمشق وإسرائيل، بل أصبح جزءاً من تنافس إقليمي أوسع، تتداخل فيه الحسابات التركية والإسرائيلية والأميركية، بينما تبقى الحكومة السورية الانتقالية الطرف الأضعف في معادلة تتغير قواعدها على الأرض.
الجنوب أمام واقع مفتوح
المشكلة أن استمرار التوغلات من دون ردع فعلي يهدد بتحويل الشريط الحدودي الجديد إلى أمر واقع، ومع كل عملية جديدة تتراجع المسافة بين “الاستثناء” و”النمط”.
وبينما تراهن دمشق على المسار السياسي والدبلوماسي، تختبر إسرائيل على الأرض حدود قدرتها على التحرك من دون مواجهة مباشرة.
وفي الجنوب السوري، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: ماذا ستفعل الحكومة السورية الانتقالية؟ بل إلى أي مدى تستطيع أصلاً أن تفعل شيئاً، في منطقة تتقدم فيها الجرافة والقوة العسكرية الإسرائيلية أسرع من قدرة الدولة الجديدة على تثبيت حدودها وسيادتها؟
اقرأ ايضاً: توغل إسرائيلي غربي دمشق وتجريف للأحراج في ريف القنيطرة