تفاصيل جديدة في وفاة محمد غميرة تعيد التعذيب داخل أماكن الاحتجاز إلى الواجهة
لم تُغلق وفاة الشاب السوري محمد حسام الدين غميرة، بعد أيام من احتجازه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية، ملفها بخبر فتح التحقيق، بل فتحت أسئلة أشد قسوة حول ما يجري داخل أماكن الاحتجاز، وحول قدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحويل وعودها بإصلاح المنظومة الأمنية إلى إجراءات تحمي المحتجزين فعلياً.
وبينما أعلنت وزارة الداخلية تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الوفاة، وتوقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في النظارة لحظة وقوع الحادثة، بقيت الرواية الأكثر إلحاحاً في انتظار إجابة رسمية: ماذا حدث لغميرة خلال فترة احتجازه، وهل حصل فعلاً على الرعاية الطبية التي كانت حالته الصحية تتطلبها؟
رواية الزوجة: دواء لم يصل وممنوع من الزيارة
تقول زوجة غميرة، وفق تصريحات لوسائل إعلام محلية، إنها أُبلغت بأن زوجها موقوف على خلفية شكوى مقدمة بحقه، من دون أن تحصل على إثباتات واضحة بشأن الاتهام.
وبحسب روايتها، أبلغت المسؤولين منذ البداية بحالته الصحية وحاجته إلى الأدوية، وطلبت ضمان عدم تعرضه لأي اعتداء، قبل أن تحاول زيارته في اليوم التالي، إلا أنها مُنعت بحجة استمرار التحقيق معه.
وتقول إن المسؤولين أخبروها بوجود أطباء يتابعون أوضاع الموقوفين، لكن غميرة أبلغها بعد خروجه بأنه لم يلتقِ طبيباً ولم يحصل على الدواء الذي أرسلته إليه.
وتضيف أن زوجها أخبرها بتعرضه للضرب أثناء الاحتجاز، وأنها شاهدت بعد خروجه آثار إصابات في الرأس والرقبة والبطن، مؤكدة أن أشخاصاً آخرين شاهدوا تلك الآثار أيضاً.
وتختصر الزوجة مطلبها بعبارة لا تحتاج إلى كثير من التأويل: “أعلم أنه لن يعود، لكنني أريد حقه وحق أولاده”.
التحقيق وحده لا يكفي
التحقيق الذي أعلنت عنه وزارة الداخلية يمثل خطوة ضرورية، لكنه يصبح قليل المعنى إذا بقيت المؤسسة نفسها هي الجهة التي تحقق في تجاوزات يُشتبه بوقوعها داخل منظومتها، من دون ضمانات واضحة للاستقلال والشفافية وإعلان النتائج للرأي العام.
فالمشكلة لا تتعلق بحادثة فردية فحسب، بل بالاختبار الذي تواجهه الحكومة السورية الانتقالية في بناء مؤسسات أمنية لا تعيد إنتاج الممارسات التي ثار السوريون ضدها.
وفي دمشق، يستعد ناشطون لتنظيم وقفة تحت شعار “لا للتعذيب”، مطالبين بتحقيقات فورية ومحايدة وشفافة في حالات التعذيب وسوء المعاملة، وبضمان حق المحتجزين في التواصل مع عائلاتهم والحصول على الرعاية الطبية والتمثيل القانوني.
من تغيير السلطة إلى تغيير قواعد الاحتجاز
المطالب المطروحة تتجاوز محاسبة المتورطين في وفاة غميرة إلى إصلاح منظومة الاحتجاز نفسها، عبر رقابة قضائية ومؤسساتية مستقلة، وآليات فعالة لتلقي الشكاوى، وحماية المبلغين والشهود، وحفظ الأدلة الطبية والمادية.
وتبقى وفاة غميرة، بما تحمله من روايات وأسئلة لم تُحسم بعد، امتحاناً مبكراً للحكومة السورية الانتقالية: إما أن يكون التحقيق مدخلاً لكشف الحقيقة والمحاسبة، أو أن يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الملفات التي تبدأ بالوعود وتنتهي في العتمة.
اقرأ أيضاً: وفاة شاب في اللاذقية بعد توقيفه في الحفة.. مطالب بتحقيق مستقل في ملابسات وفاته