3.3 مليار دولار تستثمرها “بلدنا” القطرية في الزراعة والصناعة الغذائية بسوريا

تشهد الخريطة الاقتصادية في سوريا تحولاً كبيراً في إطار مسار إعادة الإعمار، مع الإعلان عن أضخم مشروع أجنبي مباشر منذ نحو عقد ونصف.

وتتمثل هذه الخطوة في شراكة زراعية وصناعية غذائية متكاملة تقودها شركة “بلدنا” القطرية عبر ذراعها “بلدنا سوريا”، بقيمة إجمالية تبلغ 3.3 مليار دولار أمريكي

وأُزيح الستار عن التفاصيل الكبرى للمشروع في العاصمة دمشق خلال فعاليات معرض “أغريتك سوريا”، ليُعيد صياغة المشهد الاقتصادي في حوض الفرات والجزيرة السورية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة رؤوس الأموال على تحويل الوفرة الموسمية إلى تنمية مستدامة، وترقب لمعايير الحوكمة وحماية حقوق المزارع المحلي.

خريطة الانتشار والمساحات المستأجرة

يمتد المشروع على مساحة تصل إلى 2400 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 240 ألف هكتار (2.4 مليون دونم)، وهي مساحة تشكل 1.3% من إجمالي مساحة سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، وتستحوذ على نحو 5% من أراضيها الصالحة للزراعة.

وتتركز غالبية هذه الأراضي في حوض نهر الفرات ضمن محافظتي الرقة ودير الزور بموجب عقود إيجار مع الحكومة السورية.

وإلى جانب ذلك، اشترت الشركة أرضاً في المنطقة الوسطى لإقامة معمل ألبان، وتدرس استحواذات جديدة في المنطقة الساحلية للاستفادة من معدلات الهطل المطري العالية والتربة الغنية، فضلاً عن عزمها التعاقد مع مزارعين محليين في مختلف المناطق لإنتاج المحاصيل الأساسية مقابل تزويدهم بالمستلزمات والمعرفة الفنية.

التكامل الرأسي والشراكات الدولية

يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم في حديثه لموقع “المدن” أن الطموح المعلن يكمن في بناء منظومة عمودية متكاملة تتجاوز بيع المحصول الخام إلى تحويله لمنتج نهائي، بحيث يتحول القطن إلى نسيج، والحليب إلى أجبان وألبان، والقمح والسكر إلى صناعات تحويلية.

وأوضح عبد الكريم أن هذا “التكامل الرأسي” يضيف قيمة اقتصادية داخل البلاد بدلاً من تصدير المواد الخام بأسعار رخيصة واستيرادها مصنعة بكلفة مرتفعة.

وتدعم هذه الخطوة شراكات استراتيجية، حيث وقّعت “بلدنا” في نيسان 2026 اتفاقية استشارية مع مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي لتقييم جدوى توسيع سلسلة إنتاج الألبان ودراسة قدرات الحلب والتجميع والنقل والتصنيع.

كما وقّعت في أيار 2026 مذكرة تفاهم مع شركة “الظاهرة” الإماراتية المتخصصة في الزراعة واسعة النطاق والأعلاف.

ولفت عبد الكريم إلى أن دخول مؤسسة التمويل الدولية يعزز معايير الحوكمة والشفافية والاستدامة البيئية والاجتماعية، ويفتح آفاق التمويل المشترك.

الزراعة وواقع الناتج المحلي

أشار عبد الكريم بناءً على بيانات البنك الدولي إلى أن حصة الزراعة ارتفعت لتشكل 43% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 مقارنة بـ 21% عام 2011، موضحاً أن هذه الزيادة تعود لانكماش القطاعات الأخرى كالصناعة والنفط والخدمات، مما جعل الزراعة الركيزة الأساسية للاقتصاد السوري والمدخل الأول للتعافي.

ومع تحسن الموسم الحالي وارتفاع تقديرات إنتاج القمح لعام 2026 إلى ما بين 2.3 و2.5 مليون طن وتجاوز التوريدات للمؤسسة السورية للحبوب 2.5 مليون طن، تقترب البلاد من الاكتفاء الذاتي في هذا المحصول، وهو إنجاز يراه الخبير هشاً لكونه يعتمد على الظروف الجوية لا على البنية التحتية.

سوق العمل والأمن الاجتماعي

يسهم مشروع بهذا الحجم والمناطق الصناعية الملحقة به في توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في محافظتي الرقة ودير الزور، اللتين عانتا من الإهمال التنموي لعقود رغم ثرواتهما الزراعية والنفطية.

وتُعد عودة الاستثمارات إلى هذه المناطق عاملاً يسهم في الاستقرار الاجتماعي وحدّاً من الهجرة الداخلية. وفيما يخص الزراعة التعاقدية، أوضح عبد الكريم أنها آلية تحمي المزارع من تقلبات الأسعار عبر توفير البذار والسماد والتمويل مقابل الشراء المسبق، وحذّر في الوقت ذاته من اختلال ميزان التفاوض لصالح المشتري الوحيد.

ولتفادي ذلك، دعا إلى تنظيم العقود عبر نموذج معتمد من وزارة الزراعة، وتحديد سعر أرضية مضمون، وإيجاد آلية تحكيم سريعة، ومنع الحصرية.

مكاسب المائدة والمالية العامة

تنعكس آثار المشروع على المائدة المحلية من خلال توفير الألبان والأجبان وتقليل الاعتماد على الاستيراد بالعملة الصعبة، إضافة إلى تقليل الفاقد بعد الحصاد عبر مراكز الفرز والتبريد.

أما على صعيد المالية العامة، أشار الخبير إلى أن الفوائد تتنوع بين جذب استثمار أجنبي مباشر لا يرفع الدين العام، وتوفير إيرادات للحكومة عبر الإيجارات والضرائب، وتخفيف الضغط عن صرف الليرة السورية، وإرسال إشارات إيجابية للمستثمرين حول تقليل المخاطر.

هواجس الشارع والبدائل التنموية

على الجانب الآخر، نقل موقع “المدن” عن مراقبين محليين وحقوقيين وجود مخاوف لدى صغار المزارعين والأهالي من أن تؤدي السيطرة على مساحات شاسعة من أراضي الدولة إلى تهميش الزراعة التقليدية وتحويل المزارعين إلى عمالة مياومة تفتقر للأمان الوظيفي.

وفي السياق ذاته، اقترحت دراسة لـ “بوابة الأعمال السورية” نموذج “المورد الإقليمي المرن” كخارطة طريق خلال 24 شهراً لتسويق المنتجات السورية في الخليج والعراق، من خلال بناء شبكة تضم 100 إلى 150 مورداً مؤهلاً في مجالات الغذاء والنسيج والتغليف لتجاوز عقبات التمويل والطاقة.

استحقاقات الأمن الغذائي والضوابط المطلوبة

شدد الخبير عبد الكريم على أن الأمن الغذائي لا يتحقق فقط بوفرة الإنتاج، بل يتطلب التوافر والوصول والاستقرار والاستخدام. ونبّه إلى أن تصدير قطاع النسيج أو السكر لا يخدم الأمن الغذائي ما لم يخصص جزء من الإنتاج للسوق المحلي بأسعار مناسبة.

كما حدد خمسة تحديات رئيسية يجب مواجهتها، وهي: تذبذب مياه الفرات، وشح الطاقة، وتدهور الجهاز المصرفي، وتعقيدات الملكية العقارية، والألغام.

وخلص إلى أن العبرة تكمن في مؤشرات التنفيذ الفعلي على الأرض وانخفاض الأسعار للمستهلك، داعياً الحكومة إلى إعلان شروط التأجير بشفافية، ووضع إطار ملزم للزراعة التعاقدية، وربط الإعفاءات الضريبية بمؤشرات الأداء كالتوظيف وكفاءة استخدام المياه.

 

اقرأ أيضاً:بلدنا القطرية تستثمر 250 مليون دولار في مشروع غذائي بسوريا

اقرأ أيضاً:استثمارات بـ 20 مليار دولار.. محمد العبار يقود مشروعين عقاريين ضخمين في سوريا

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.