19 شهادة توثق التعذيب والوفاة في السجون السورية بعد سقوط النظام

 لا تزال شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي والوفيات داخل أماكن الاحتجاز تظهر في سوريا، وفق تقرير جديد لمنظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» وثّق 19 شهادة خلال الفترة بين حزيران/يونيو 2025 وحزيران/يونيو 2026.

ويشير التقرير إلى أن بعض الحالات التي جمعها باحثوه ارتبطت بجهات تابعة للحكومة السورية الانتقالية، مستنداً إلى إفادات ناجين وأقارب أشخاص متوفين ومختفين وشهود عيان، إضافة إلى مصادر رسمية وحقوقية وإعلامية.

وتتنوع الوقائع التي أوردها التقرير بين توقيفات انتهت بالتعذيب، واحتجاز على خلفيات طائفية أو سياسية مفترضة، وتهديدات ذات طابع جنسي، وصولاً إلى حالات وفاة داخل السجون ومراكز الاحتجاز.

وقال أحد الناجين، الذي عرّفه التقرير باسم مستعار هو «سميح»: «في كل التحقيقات التي خضعت لها، لم أشعر أن النظام تغير في سوريا».

التعذيب يبدأ من الحواجز

في إحدى الحالات التي وثقها التقرير، أوقف «صالح» و«عبد الرحمن» عند حاجز إثريا في تموز/يوليو 2025، أثناء عودتهما من دمشق، بعدما عثر عناصر الحاجز على صور قديمة في هاتف عبد الرحمن مرتبطة بخدمته العسكرية السابقة.

وبحسب إفادتهما، تعرض الاثنان للضرب قبل نقلهما إلى مركز احتجاز آخر، حيث استُخدمت ضدهم اللكمات والركلات والكابلات والصعق الكهربائي. كما خضعا للتحقيق وهما معصوبا العينين ومقيدا اليدين.

وقال عبد الرحمن إنه اضطر إلى تغيير روايته بشأن إصاباته القديمة، فأبلغ المحققين بأنها ناجمة عن المعارك، رغم أنها في الواقع نتيجة حادث سير، على أمل أن يتوقف التعذيب.

وفي السويداء، تحدث «ماجد» عن توقيف سيارة كان يستقلها برفقة نساء وأطفال وشبان عند مفرق المجدل في 14 تموز/يوليو 2025، على يد مجموعة مسلحة، مشيراً إلى تعرض عدد من المحتجزين للضرب.

أما «سميح»، فقال إنه اقتيد إلى موقع تابع للشرطة العسكرية، حيث تعرض للضرب بأدوات معدنية وكابلات وأخمص البنادق، كما وُضع سكين على رقبته وطُلب منه النطق بالشهادة. وأضاف أنه بقي 74 يوماً غير قادر على الحركة بصورة طبيعية.

أسئلة عن الطائفة والانتماء السياسي

لم تقتصر الوقائع الواردة في التقرير على العنف الجسدي، إذ تحدثت شهادات من محتجزي السويداء عن استخدام الانتماء الطائفي والسياسي المفترض أثناء التوقيف والتحقيق.

وقال «سميح» إن المحققين كانوا يسألونه باستمرار عن انتمائه إلى فصيل مسلح أو إلى أتباع الشيخ حكمت الهجري، رغم قوله إنه مدني ولا ينتمي إلى أي جهة سياسية أو عسكرية. وأضاف أنه تعرض للضرب والتهديد بالقتل، قبل نقله بين مراكز احتجاز مختلفة.

وفي حادثة أخرى، قالت المنظمة إن قوة أمنية داهمت في 20 أيار/مايو 2026 قرية الهنادي في اللاذقية، واعتقلت حسين، وهو عسكري سابق كان قد أجرى تسوية لوضعه.

ونقل التقرير عن والد حسين، «زهير»، أن أحد العناصر نظر إلى بطاقة التسوية ثم خاطب ابنه بعبارة تضمنت وصفه بأنه من «فلول النظام البائد»، قبل اقتياده.

وبحسب محتجز أُفرج عنه، تعرض حسين للضرب والصعق الكهربائي والجلد بالعصي والأسلاك، كما حُرم من الطعام والماء في مكان بارد.

تهديد الزوجة والطفلتين

من أكثر الشهادات التي أوردها التقرير تفصيلاً إفادة أحمد، وهو صحفي ومهندس كردي، قال إنه احتُجز مع زوجته وطفلتيه عند معبر باب السلامة في حزيران/يونيو 2025.

وبحسب روايته، هدده عناصر بتجريد زوجته من ملابسها والاعتداء عليها جنسياً أمامه إذا لم يكشف مكان وثائق السفر التي كان يخفيها داخل حقيبة بين ملابس أطفاله.

وقال أحمد إنه رضخ للتهديد وأخبرهم بمكان الوثائق.

بعد ذلك، نُقل معصوب العينين ومقيد اليدين إلى مبنى قال إنه علم لاحقاً أنه تابع للأمن العام في أعزاز. وذكر أنه تعرض خلال الطريق لإهانات ولمسات ذات طابع جنسي، ثم للضرب والإهانة والاعتداء الجنسي والتهديد بالاغتصاب داخل المبنى.

وقال إن أحد العناصر بصق على وجهه قائلاً: «اشرب، هذه مياه عذبة»، فيما هدده عنصر آخر بالاغتصاب إذا لم يصمت.

وبقيت زوجته وطفلتاه محتجزات أيضاً، وسط نقص في الطعام والرعاية الطبية. وقال أحمد إن الأسرة اضطرت إلى تقسيم الطعام، بحيث يحصل هو وزوجته على جزء، فيما تحصل الطفلتان على جزأين.

لاحقاً، نُقلت الأسرة إلى مبنى في حلب قال أحمد إنه تابع للاستخبارات العسكرية العامة، واستمرت هناك التحقيقات والتهديدات بالإعدام والتجويع، إلى جانب تهديده بأخذ طفلتيه وفصله عن زوجته.

ست حالات وفاة يثير التقرير حولها تساؤلات

وثق التقرير عدة حالات وفاة بعد الاحتجاز لدى جهات مرتبطة بالحكومة الانتقالية، بينها وفاة أحمد إبراهيم العيادة الدايح.

وبحسب التقرير، اعتُقل الدايح في آذار/مارس 2026 من سوق التبني بريف دير الزور بعد إجرائه تسوية، قبل أن تُبلغ أسرته بعد نحو 20 يوماً بوفاته داخل مكان احتجازه.

وقال قريبه «سليم» إن الأسرة تلقت رواية تفيد بأن الوفاة ناجمة عن «وعكة صحية»، من دون تقرير طبي مفصل أو تحقق مستقل. ولم يحدد التقرير مكان احتجازه، لكنه حمّل الجهة التي كانت تحتجزه مسؤولية توضيح ظروف الوفاة والتحقيق فيها.

وتشمل الحالات الأخرى التي أوردها التقرير:

  • يوسف اللباد: توفي في تموز/يوليو 2025 داخل سجن الحميدية التابع للأمن الداخلي في دمشق، فيما اتهمت أسرته عناصر الأمن بتعذيبه.
  • عبد الرحمن جعجول: توفي في آب/أغسطس أثناء احتجازه في مخفر الكلاسة بحلب. وقال قريبه إن آثار ضرب ظهرت على جثمانه، بينما حدد تقرير الطب الشرعي سبب الوفاة بضربة قوية على الأعضاء التناسلية.
  • مهند الصالح: توفي بعد أشهر من اعتقاله ونقله إلى سجن البالونة في حمص.
  • ميالد عزيز الفرخ: توفي داخل سجن البالونة بعد نحو أسبوعين من توقيفه، وقالت أسرته إن جثمانه حمل إصابات تشير إلى تعرضه للضرب.
  • عطا الله صالح الفياض: قُتل في أيلول/سبتمبر 2025 نتيجة تعذيب قالت المنظمة إنه تعرض له على يد عناصر الدورية التي اعتقلته.

وفي حالة الفياض، أعلنت وزارة الداخلية توقيف عناصر الدورية وفتح تحقيق، لكن التقرير يقول إنه لم يجد معلومات كافية حول نتائج التحقيق أو ما إذا كانت القضية أحيلت إلى القضاء.

من يتحمل المسؤولية؟

يرى التقرير أن الحالات الموثقة لا تشير إلى وجود منظومة احتجاز واحدة، بل إلى شبكة من الأجهزة الأمنية والشرطية والتشكيلات العسكرية والفصائل المسلحة، فضلاً عن مقرات مؤقتة أو غير معلنة.

وتشترك الشهادات، وفق المنظمة، في عدد من الأنماط، بينها الضرب عند التوقيف، والتعذيب خلال التحقيق، والعزل عن العالم الخارجي، وغياب المحامين والرقابة القضائية، وعدم إبلاغ الأسر بمكان وجود المحتجزين.

وتقول «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» إن تعدد الجهات لا يلغي مسؤولية السلطة الانتقالية، خصوصاً في الحالات التي تورط فيها، بحسب التقرير، أفراد من قوات الأمن العام أو تشكيلات عسكرية مرتبطة بوزارة الدفاع.

وتطرح المنظمة أيضاً مسؤولية تتجاوز العناصر الذين نفذوا الانتهاكات مباشرة، معتبرة أن التحقيقات ينبغي أن تحدد من أصدر الأوامر، ومن كان على علم بما يجري ولم يتدخل، ومن أخفى أماكن المحتجزين أو منع عنهم العلاج.

دعوة إلى تغيير آليات الاحتجاز

يدعو التقرير السلطات إلى إصدار تعليمات ملزمة للأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية والتشكيلات التابعة للدولة أو المدمجة فيها، تحظر التعذيب وسوء المعاملة.

كما تطالب المنظمة بتحقيقات مستقلة وشفافة تشمل المنفذين والمسؤولين القياديين، إلى جانب ضمان الرقابة القضائية على الاعتقالات، وتوثيق عمليات التوقيف، وتمكين المحتجزين من الوصول إلى المحامين والفحص الطبي المستقل.

وبالنسبة إلى المنظمة، فإن استمرار هذه الوقائع بعد سقوط الأسد يعني أن تغيير السلطة السياسية لم يؤدِ تلقائياً إلى تفكيك أساليب العنف داخل منظومة الاحتجاز.

وتحذر «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» من أن غياب المحاسبة والرقابة قد يقوض مسار العدالة الانتقالية، معتبرة أن الاختبار الفعلي لهذا المسار يكمن في قدرة السلطات على منع تكرار الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.

اقرأ أيضاً:تقرير حقوقي يوثق انتهاكات ذات طابع طائفي تستهدف مدنيين في طرطوس وريفها

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.