أبحاث جامعية كثيرة وأثر قليل… لماذا تبقى أفكار الطلاب خارج مؤسسات الدولة؟

تنتج الجامعات السورية سنوياً مئات مشروعات التخرج ورسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، في اختصاصات تمتد من الهندسة والطب إلى الاقتصاد والتخطيط والعلوم التطبيقية. وراء كل مشروع ساعات طويلة من البحث والتجريب، وأموال تُنفق، وأفكار قد تحمل حلولاً لمشكلات تعيشها المؤسسات والمجتمع يومياً.

لكن المفارقة أن كثيراً من هذه المعرفة ينتهي عند حدود قاعة المناقشة. يُناقش البحث، تُمنح الدرجة العلمية، يُحفظ الملف، ثم تبدأ دورة جديدة من الأبحاث، فيما تبقى المؤسسات السورية تبحث عن حلول لمشكلات كان يمكن أن تكون الجامعات قد اقتربت منها قبل سنوات.

المشكلة، إذاً، ليست في نقص الأفكار، بقدر ما تكمن في غياب الطريق الذي يحملها من الجامعة إلى الواقع.

الجامعة تنتج المعرفة.. والمؤسسات لا تنتظرها

تظهر في جامعة دمشق محاولات لتوجيه مشروعات التخرج والأبحاث نحو احتياجات الوزارات والمؤسسات وسوق العمل. فقد أنجزت كلية الهندسة المعمارية هذا العام 392 مشروعاً، تناول بعضها إعادة الإعمار والتخطيط الحضري والإسكان وتنمية المدن والمواقع التراثية والسياحية.

وتقول الجامعة إن عدداً من رسائل الدراسات العليا تحوّل إلى أبحاث منشورة دولياً، فيما أنتجت بعض الكليات التطبيقية نماذج أولية وبراءات اختراع وحلولاً تقنية.

لكن النشر الأكاديمي، مهما بلغت قيمته، لا يكفي وحده. فأن تتحول نتيجة بحثية إلى مادة في مجلة علمية شيء، وأن تتحول إلى مشروع يعمل في مستشفى أو معمل أو مؤسسة عامة شيء آخر تماماً.

وهنا تظهر الفجوة التي لا تزال الحكومة السورية الانتقالية عاجزة عن ردمها بصورة مؤسسية: مؤسسات لديها مشكلات يومية، وجامعات لديها عقول وطلاب وأساتذة، لكن الصلة بين الطرفين لا تزال في كثير من الأحيان رهناً بالمبادرات الفردية.

مشروعات تلاحق الواقع بدلاً من أن تستشرفه

يرى أكاديميون أن اختيار مشروعات الطلاب ينبغي ألا يبقى محكوماً فقط بخطط الأقسام العلمية أو اهتمامات الأساتذة، بل يجب أن يرتبط بصورة مباشرة بمشكلات القطاعات الإنتاجية والخدمية.

وهذا يتطلب أن تعرف الجامعة ما يحدث داخل المعامل والمنشآت والمستشفيات والوزارات، وأن تعرف المؤسسات بدورها ما تستطيع الجامعة تقديمه.

غير أن هذا النوع من التنسيق يحتاج إلى بنية مؤسسية دائمة، لا إلى مخاطبات موسمية أو تعاون ينشط مع مناسبة ثم يخفت.

ويطرح أكاديميون إنشاء هيئة أو مجلس أعلى يربط الجامعات بالقطاعات المختلفة، وإيفاد أساتذة إلى المنشآت، وإتاحة التدريب العملي للطلاب داخلها، بحيث تصبح مشروعات التخرج نتيجة لاحتكاك مباشر بالمشكلة، لا مجرد تمرين أكاديمي عليها.

التمويل.. الحلقة التي تكسر المشروع

حتى عندما يولد مشروع قابل للتطبيق، يبقى التمويل أحد أكثر الحواجز قسوة. فالفكرة العلمية لا تتحول إلى منتج أو تقنية بمجرد حصول صاحبها على شهادة التخرج.

وهنا يبرز غياب مراكز متخصصة تتولى استقبال احتياجات الوزارات والشركات، وتنسيقها مع الباحثين والطلاب، وتأمين التمويل ومتابعة المشروع حتى مرحلة التطبيق.

ويقترح مختصون إنشاء مكاتب بحثية داخل الجامعات تتولى الربط بين الباحثين والقطاعين العام والخاص وغرف التجارة والصناعة، بحيث يصبح البحث العلمي جزءاً من دورة الإنتاج، لا نشاطاً منفصلاً عنها.

كما تُطرح فكرة إعادة ربط رسائل الماجستير والدكتوراه بالمؤسسات المحتاجة إلى البحث، بحيث يُنجز الطالب بحثه داخل البيئة التي تعاني المشكلة، وتكون النتيجة قابلة للاختبار والتطبيق منذ البداية.

المعرفة المهدرة.. خسارة لا تظهر في الموازنة

المشكلة في النهاية ليست عدد الأبحاث التي تنجزها الجامعات السورية، بل عدد الأبحاث التي تجد طريقها إلى الحياة.

فكل مشروع يبقى في الأدراج يعني وقتاً علمياً ضائعاً، وكل نموذج أولي لا يجد تمويلاً يعني فرصة اقتصادية مؤجلة، وكل بحث لا يصل إلى مؤسسة تحتاجه يعني استمرار مشكلة كان يمكن تخفيفها.

وفي بلد يعاني نقص الموارد، لا تبدو ترفاً تلك المسافة بين الجامعة والدولة؛ بل تبدو واحدة من أكثر أشكال الهدر صمتاً.

وتحتاج الحكومة السورية الانتقالية إلى التعامل مع البحث العلمي بوصفه جزءاً من عملية إعادة بناء الدولة والاقتصاد والخدمات، لا ملفاً أكاديمياً يخص الجامعات وحدها. فالمطلوب ليس المزيد من الأبحاث فقط، وإنما نظام يجعل السؤال يبدأ من مشكلة حقيقية، وينتهي بحل قابل للتطبيق.

وإلا ستظل الجامعات السورية تنتج المعرفة بكفاءة، بينما تظل المؤسسات تنتظر حلولاً تأتي من مكان آخر.

 

اقرأ أيضاً: جامعة دمشق تضبط أنشطتها بعد جدل “اللباس الشرعي”.. صراع الهوية يعود إلى أقدم الجامعات السورية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.