التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة: تهاوي اتفاق 1974 وأزمة السيادة في الجنوب السوري

شهدت منطقة ريف القنيطرة في أغسطس/آب 2026 تحركات ميدانية متكررة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، شملت توغلاً لدبابات وجرافات عسكرية قرب سد المنطرة وبلدة الصمدانية الشرقية، وإغلاق الطرق بسواتر ترابية، وتجريف أراضٍ زراعية تقع على مقربة من مواقع قوة الأمم المتحدة لمراقبة فصل القوات (أندوف – UNDOF).

تُظهر هذه التطورات -التي ترافقت مع عمليات احتجاز وتفتيش محلية- أن الأزمة الحالية تجاوزت مفهوم الخرق الميداني العابر لِتُعبّر عن أزمة نظام حدودي شامل نتيجة الفجوة العميقة بين النصوص القانونية للاتفاقيات الدولية والواقع الميداني الجديد على الأرض.

1. اتفاق فصل القوات (1974): حدود الدور والفاعلية

تأسس النظام الحدودي بين سوريا والاحتلال في الجولان بناءً على اتفاق فصل القوات لعام 1974 وأحكام قرار مجلس الأمن رقم 350:

  • منطقة الفصل والمراقبة: امتدت منطقة الفصل على مسافة تتجاوز 75 كيلومتراً بعرض يتراوح بين 200 متر و10 كيلومترات، تحت إشراف قوة “أندوف”.

  • طبيعة التفويض الدولي: صُمِّم الاتفاق لمنع الاحتكاك المباشر بين الجيش السوري وجيش الاحتلال، واعتمد نجاحه العملي على الالتزام المتبادل والتوازن الميداني.

  • محدودية قوة “أندوف”: يقتصر تفويض البعثة الدولية على الرصد، والتوثيق، وإبلاغ مجلس الأمن، وتسهيل الاتصالات الفنية، دون امتلاك تفويض قتالي لإلغاء الخروقات أو فرض انسحاب عسكري بالقوة.

2. تحولات المشهد بعد ديسمبر 2024 وتراجع القواعد القديمة

أدى سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024 وحل الجيش السوري إلى حدوث فراغ ميداني أعلنت “إسرائيل” على إثره تراجع ترتيبات عام 1974:

  1. الانتشار في منطقة الفصل: توغلت القوات الإسرائيلية في مناطق متقدمة شملت قمة جبل الشيخ ومواقع داخل منطقة الفصل وعلى أطراف منطقة تقييد الأسلحة.

  2. القرارات الدولية والتمديد: رصدت الأمم المتحدة عشرات النقاط والمواقع المستحدثة. ورغم صدور قرارات متتالية من مجلس الأمن (آخرها في يونيو/حزيران 2026) لتمديد ولاية “أندوف” والتأكيد على حظر النشاط العسكري، إلا أن هذه القرارات واجهت صعوبات في تعديل الواقع الميداني القائم.

3. الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للتوغلات الميدانية

لا تقتصر آثار إجراءات الإغلاق والتجريف وإقامة الحواجز المؤقتة على البعد العسكري، بل تمتد لتشمل الحياة اليومية للسكان المحليين في القنيطرة:

  • تأثر القطاع الزراعي: يضطر المزارعون لتجنب الوصول إلى أراضيهم المحاذية لمناطق التوتر، مما ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي المحلي.

  • إعاقة حركة التنقل: يقطع فرض السواتر الترابية الشرايين الموصلة بين القرى والمراكز الإدارية (مثل طريق الصمدانية الشرقية – خان أرنبة)، مما يرفع تكاليف النقل والخدمات.

4. المسار التفاوضي ومفهوم التوازن الأمني

في إطار السعي لإدارة الملف الحدودي، استُؤنفت محادثات بدعم ووساطة دولية في يناير/كانون الثاني 2026، حيث تتباين رؤى الطرفين حول أسس الحل:

  • الموقف السوري: يركز على ضرورة الانسحاب الكامل إلى خطوط ما قبل التطورات الأخيرة، وإحياء الالتزام باتفاق 1974، وضمان السيادة الوطنية الكاملة على الأراضي والموارد.

  • المطالب الإسرائيلية: ترتكز على فرض ترتيبات أمنية جديدة تشمل تقييد انتشار السلاح الثقيل في مناطق واسعة من الجنوب، وتوسيع نطاق الرقابة الاستباقية.

5. مؤشرات قياس السيادة والترتيبات المستقبلية

يرى خبراء ومحللون سياسيون أن نجاح أي ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب السوري ينعكس عبر ثلاثة مؤشرات رئيسية:

  1. مدى حرية انتشار الجيش السوري: حدود قدرة الدولة على نشر قواتها وتأمين مناطقها الحدودية وفق متطلبات الأمن القومي.

  2. إنهاء التوغلات الأحادية: وضع حد للتحركات العسكرية والاعتقالات العابرة للحدود.

  3. تفعيل دور “أندوف”: استعادة القوة الدولية لدورها المحايد في مراقبة التزام الطرفين ببنود اتفاق فصل القوات.

الخلاصة

تقف منطقة القنيطرة والجنوب السوري أمام مرحلة مفصلية تتطلب الانتقال من الترتيبات المؤقتة إلى إطار آمن ومستدام يحفظ السيادة الوطنية السورية ويُعيد تفعيل المواثيق الدولية لمنع فرض واقع ميداني منفرد.

إقرأ أيضاً: تحصينات واسعة وسيطرة ميدانية.. تفاصيل مشروع شرق جديد الإسرائيلي جنوبي سوريا

اقرأ أيضاً:استيطان رعوي جنوب سوريا: الاحتلال يستنسخ نموذج الضفة الغربية

اقرأ أيضاً:إسرائيل ترسم حدودها في جنوب سوريا.. حكومة دمشق الانتقالية عاجزة والمفاوضات تتآكل تحت وقع التوغلات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.