مياه ريف دمشق بين أنابيب متهالكة ومشاريع إنقاذ مؤجلة.. ببيلا تنتظر عودة الشبكة إلى الحياة

بعد سنوات طويلة من التراجع والإهمال الذي أصاب البنية التحتية في ريف دمشق، بدأت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظتي دمشق وريفها تنفيذ مشروع لإعادة تأهيل شبكة المياه في بلدة ببيلا، في محاولة لمعالجة واحدة من أكثر المشكلات التصاقاً بالحياة اليومية للسكان: مياه تصل بشحّ، أو تتسرب قبل أن تبلغ المنازل.

المشروع، الذي ينفذ بالتعاون مع منظمة «أرض الإنسان» السويسرية وبتمويل من الصندوق الإنساني السوري، يستهدف إعادة تأهيل خطوط المياه في مناطق واسعة من البلدة، بما يؤمن الخدمة لنحو 30 ألف نسمة، عبر تنفيذ خطوط جديدة بطول يقارب 3500 متر وبأقطار مختلفة.

لكن المشروع لا يبدو مجرد عملية صيانة لشبكة قديمة، بل محاولة متأخرة لترميم قطاع متهالك تراكمت مشكلاته خلال سنوات طويلة، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من ريف دمشق تعاني ضعف الخدمات الأساسية، وسط حاجة تفوق بكثير الإمكانات المتاحة.

شبكة أنهكها الزمن.. ومياه تضيع قبل وصولها

يأتي تأهيل شبكة ببيلا ضمن خطة أوسع أعلنتها الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي لتحسين واقع المياه في مناطق عدة من ريف دمشق، تشمل العادلية، النشابية، بيت سحم، زملكا، حوش عرب، الحجر الأسود، داريا ومعضمية الشام.

ويؤكد مدير الشركة أحمد درويش أن الأولوية تُمنح للمناطق الأكثر تضرراً وفق معايير تشمل قدم الشبكات، ونسب الهدر، وتكرار الأعطال، وشكاوى المواطنين المتعلقة بجودة المياه.

إلا أن هذه المعايير تكشف في الوقت نفسه حجم الأزمة المتراكمة؛ فاختيار مناطق التأهيل لا يأتي نتيجة توسع طبيعي في الخدمات، بل نتيجة سنوات من التراجع جعلت إصلاح الأعطال المتكررة بديلاً عن تطوير منظومة مياه قادرة على الاستمرار.

فالعديد من الشبكات القديمة تعاني من تسربات كبيرة، وانخفاض في ضغط المياه، وارتفاع تكاليف الصيانة، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه قبل وصولها إلى المستهلكين.

مشاريع ضرورية.. لكنها لا تكفي وحدها

يرى المهندس صفوان الحلبي، الباحث في شؤون المياه، أن إعادة تأهيل شبكات المياه خطوة أساسية لتحديث القطاع، لكنها لن تكون كافية ما لم ترافقها معالجة شاملة لبقية حلقات المنظومة.

وأوضح أن تقادم الأنابيب وغياب الصيانة الدورية يؤديان إلى ارتفاع الفاقد المائي، الذي قد يصل في بعض الشبكات القديمة إلى مستويات مرتفعة جداً، بينما يمكن خفضه بشكل كبير بعد استبدال المقاطع المتضررة واستخدام تجهيزات حديثة للكشف عن التسربات.

وأشار إلى أن نجاح أي مشروع تأهيل يرتبط بدقة الدراسات الهندسية، وجودة المواد المستخدمة، وتحديث أنظمة المراقبة والتحكم، إضافة إلى تطوير محطات الضخ والخزانات ومصادر التغذية.

ويرى الحلبي أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في نقص المشاريع، بل في غياب رؤية متكاملة لإدارة قطاع المياه، إذ إن تنفيذ مشاريع متفرقة دون خطة طويلة الأمد قد يبقي المعالجة في إطار ردود الفعل بدلاً من بناء منظومة مستدامة.

ريف دمشق.. خدمة أساسية تبحث عن استقرار

تعكس مشاريع تأهيل المياه في ريف دمشق واقعاً أوسع تعيشه البنية الخدمية في سوريا، حيث تحاول الحكومة السورية الانتقالية معالجة آثار تراكمات طويلة أثقلت القطاعات الأساسية، وسط فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات والقدرات المتاحة.

فالمياه ليست مجرد شبكة أنابيب، بل مؤشر على قدرة الإدارة المحلية على حماية أبسط حقوق السكان في خدمة مستقرة وآمنة. وفي ظل استمرار الأعطال والانقطاعات في مناطق عديدة، يبقى نجاح هذه المشاريع مرتبطاً بما بعد مرحلة التنفيذ: الصيانة، والرقابة، وتأمين التمويل، ومنع عودة الشبكات إلى دائرة الإهمال.

ويؤكد خبراء القطاع أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطة وطنية لإعادة تأهيل شبكات المياه، تعتمد على خرائط دقيقة للأضرار، وجدول زمني واضح، وأولويات ترتبط بعدد السكان وحجم الحاجة، لا على التدخلات الطارئة وحدها.

ففي ببيلا، قد تعيد الأنابيب الجديدة المياه إلى المنازل، لكنها لا تحل وحدها أزمة قطاع يحتاج إلى إعادة بناء كاملة؛ لأن سنوات الإهمال لا تُصلح بمشروع واحد، بل بإرادة مستمرة تمنع تكرار انهيار الخدمات من جديد.

 

اقرأ أيضاً: مياه الصرف الصحي تهدد غذاء السوريين.. والرقابة الحكومية عاجزة عن وقف المخالفات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.