إيجارات درعا تبتلع دخول السوريين.. سوق عقارية بلا ضوابط وفجوة تتسع بين الأسعار والقدرة الشرائية
لم يعد البحث عن منزل يؤوي عائلة في محافظة درعا مجرد أزمة سكن، بل تحول إلى معركة يومية مع سوق عقارية فقدت توازنها، في ظل ارتفاع متسارع في بدلات الإيجار، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب حلول حكومية قادرة على ضبط سوق تتسع فيه الفجوة بين دخل المواطنين ومتطلبات المعيشة.
فبينما ترتفع أسعار العقارات والإيجارات بفعل زيادة الطلب ونقص المعروض، يجد المستأجرون أنفسهم أمام خيارات محدودة، إما القبول بأسعار تفوق قدرتهم المالية، أو الانتقال إلى مساكن أقل ملاءمة، فيما يواجه أصحاب الأعمال التجارية ضغوطاً إضافية تهدد استمرار نشاطهم في ظل ركود الأسواق وضعف حركة البيع.
الإيجار.. استنزاف مستمر لدخل الأسر
يقول محمد العلي، أحد سكان بلدة الطيبة، إن إيجار المنزل بات يستهلك ما يقارب 40 بالمئة من دخل الأسرة، وقد يتجاوز ذلك في بعض الأشهر، ما يدفع العائلات إلى تقليص نفقاتها الأساسية وتأجيل كثير من احتياجاتها.
ويشير إلى أن القلق يرافق المستأجرين مع كل موعد لتجديد العقد، خشية فرض زيادات جديدة أو فقدان المسكن، في وقت أصبح العثور على منزل مناسب بسعر مقبول أمراً بالغ الصعوبة، ولا سيما في المناطق القريبة من مركز مدينة درعا حيث تتركز الخدمات ويرتفع الطلب.
ولا تختلف معاناة أصحاب المحال التجارية كثيراً، إذ بات الإيجار يشكل عبئاً ثقيلاً على أصحاب المهن، حيث يوضح قسيم الحريري، صاحب محل في درعا البلد، أن بدلات الإيجار قد تستهلك بين 30 و50 بالمئة من الإيرادات الشهرية، ما ينعكس مباشرة على الأرباح ورأس المال وحجم النشاط التجاري.
ومع عجز التجار عن رفع أسعار منتجاتهم بسبب ضعف القدرة الشرائية، يتحول ارتفاع الإيجارات إلى ضغط مزدوج يدفع بعض أصحاب الأعمال إلى تقليص نشاطهم أو إغلاق محالهم.
سوق بلا توازن وحلول مؤجلة
يرجع عاملون في القطاع العقاري ارتفاع الأسعار إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، إذ أدى تزايد الحاجة إلى المساكن، نتيجة عودة عدد من السكان والنزوح الداخلي، إلى ارتفاع الطلب مقابل محدودية الأبنية المتاحة.
ويشير صاحب مكتب عقاري أنس أبو خشريف إلى أن إيجارات المحال التجارية تتراوح بين 500 و1000 دولار، فيما تتراوح إيجارات الشقق السكنية بين مليون وثلاثة ملايين ليرة سورية، موضحاً أن الأسعار تتأثر بالموقع ومساحة العقار ومستوى الإكساء والخدمات المتوفرة.
ويعكس هذا الواقع غياب سياسة إسكانية واضحة قادرة على مواجهة أزمة تتراكم منذ سنوات، حيث بقي التوسع العمراني محدوداً، ولم تواكب المشاريع السكنية حجم الاحتياجات المتزايدة.
تشريعات لا تكفي أمام أزمة متفاقمة
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الحكيم المصري أن قانون الإيجار الحالي يترك تحديد القيمة المالية للعقد وفق الاتفاق بين المالك والمستأجر، دون وجود آلية تحدد سقوفاً سعرية أو تضبط الزيادات المتكررة.
ويؤكد أن الأزمة لا يمكن حلها عبر فرض أسعار إلزامية، بل تحتاج إلى معالجة أعمق تبدأ بتوسيع المخططات التنظيمية، وزيادة المعروض العقاري، وتشجيع مشاريع الإسكان بالشراكة بين الحكومة السورية الانتقالية والقطاع الخاص.
لكن هذه الحلول، رغم تكرار الحديث عنها، لا تزال بعيدة عن واقع آلاف الأسر التي تواجه يومياً سوقاً تتحرك وفق منطق العرض والطلب وحده، في ظل غياب تدخلات فعالة تخفف الضغط عن المواطنين.
أزمة تتجاوز السكن
لا تكشف أزمة الإيجارات في درعا عن ارتفاع أسعار العقارات فقط، بل عن خلل اقتصادي واجتماعي أوسع، حيث أصبح المسكن عبئاً يستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسر، وأصبح الإيجار التجاري عاملاً يهدد استمرارية كثير من المشاريع الصغيرة.
وبينما ينتظر المواطنون حلولاً عملية تعيد شيئاً من التوازن إلى السوق، تستمر الفجوة بالاتساع بين أسعار العقارات ودخول السوريين، لتبقى أزمة السكن واحدة من الملفات التي تحتاج إلى سياسات حكومية أكثر فاعلية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.
اقرأ أيضاً: أزمة السكن: ركود في البيع وجنون في الإيجارات.. ما القصة؟