رغم ارتفاع حركة السفن.. هل تنجح الحكومة في تحويل المرافئ السورية إلى بوابة لتعافي الاقتصاد؟
تعود المرافئ السورية تدريجياً إلى واجهة النشاط التجاري بعد سنوات من التراجع، مع تسجيل ارتفاع في حركة السفن والبضائع وإطلاق مشاريع لإعادة تأهيل البنية التحتية واستقطاب استثمارات جديدة. إلا أن هذا التحسن، رغم أهميته، يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة السورية الانتقالية على ترجمة المؤشرات التشغيلية إلى تعافٍ اقتصادي حقيقي، في ظل تحديات لوجستية واستثمارية ما تزال تعيق استعادة الدور التاريخي للمرافئ السورية في التجارة الإقليمية.
وتؤكد الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أن مرفأي اللاذقية وطرطوس يشهدان نمواً في معدلات التشغيل مقارنة بالسنوات السابقة، بالتزامن مع عودة خطوط ملاحية دولية وازدياد أحجام البضائع، إضافة إلى تنفيذ مشاريع لتحديث الأرصفة والساحات التخزينية، وإدخال أنظمة تشغيل رقمية وتطوير معدات المناولة والخدمات اللوجستية.
لكن خبراء في قطاع النقل يرون أن ارتفاع عدد السفن وحده لا يكفي للحكم على تعافي القطاع، ما لم ينعكس على حجم التجارة الخارجية، وسرعة التخليص الجمركي، وتنافسية المرافئ مقارنة بالموانئ الإقليمية التي قطعت شوطاً كبيراً في التطوير خلال السنوات الماضية.
مؤشرات تشغيلية… لكنها لا تحسم المشهد
تشير بيانات الهيئة إلى أن مرفأي اللاذقية وطرطوس استقبلا خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 644 سفينة، بينها 273 سفينة في اللاذقية و371 في طرطوس، مع تداول مئات آلاف الأطنان من البضائع وعشرات آلاف الحاويات.
وتستند الحكومة السورية الانتقالية إلى هذه المؤشرات بوصفها دليلاً على استعادة النشاط البحري، مدعومة باستثمارات أبرزها مشروع تشغيل محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية بالشراكة مع شركة CMA CGM، ومشروع تطوير مرفأ طرطوس بالتعاون مع DP World.
غير أن هذه المشاريع ما تزال في مراحلها الأولى، بينما يبقى التحدي الحقيقي في قدرتها على رفع الكفاءة التشغيلية وتقليص زمن انتظار السفن وتخفيض كلفة الخدمات، وهي معايير تحدد موقع أي ميناء ضمن المنافسة الإقليمية.
بين الطموحات والواقع
تعوّل الحكومة على موقع سوريا الجغرافي لاستعادة دورها كممر يربط شرق المتوسط بدول الجوار، خاصة مع تنامي حركة الترانزيت وإعادة فتح عدد من المعابر الحدودية.
وتؤكد الهيئة أن حركة المواد الأولية ومدخلات الإنتاج والآليات ارتفعت خلال الفترة الماضية، إلى جانب زيادة صادرات المنتجات الزراعية والصناعية، مع العمل على تطبيق نظام “النافذة الواحدة” وربط المرافئ بالمنافذ البرية ضمن منظومة إلكترونية موحدة.
إلا أن هذه الخطط تصطدم بواقع أكثر تعقيداً، إذ لا تزال البنية التحتية في حاجة إلى استثمارات واسعة، كما أن تطوير المرافئ وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع تحديث شبكة النقل الداخلي والسكك الحديدية، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتبسيط الإجراءات الجمركية بصورة ملموسة.
استثمارات تحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة
ترى الحكومة السورية الانتقالية أن تبسيط الإجراءات وطرح فرص استثمارية جديدة سيجعلان المرافئ أكثر جذباً للشركات الدولية، إلا أن المستثمرين يربطون قراراتهم أيضاً باستقرار البيئة الاقتصادية والقانونية، ووضوح التشريعات، وسرعة إنجاز المعاملات.
وبينما تمثل الاتفاقيات مع شركات عالمية خطوة مهمة لإعادة الثقة بالقطاع، فإن نجاحها يبقى مرهوناً بقدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ إصلاحات إدارية حقيقية، وتحويل الوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها المستوردون والمصدرون وشركات النقل.
نجاح المرافئ لا يقاس بعدد السفن
تكشف الأرقام عن تحسن تدريجي في النشاط البحري، لكنها لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد السوري دخل مرحلة التعافي. فالمرافئ ليست مجرد أرصفة تستقبل السفن، بل حلقة أساسية في منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالتصدير.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي أمام الحكومة السورية الانتقالية لا يتمثل في الإعلان عن ارتفاع أعداد السفن أو توقيع اتفاقيات استثمارية جديدة، بل في بناء منظومة نقل ولوجستيات قادرة على خفض الكلفة، وتسريع حركة التجارة، وتحويل الموقع الجغرافي لسوريا من ميزة نظرية إلى قيمة اقتصادية فعلية. وحتى يتحقق ذلك، ستظل مؤشرات التحسن الحالية بداية واعدة، لكنها غير كافية لإعلان استعادة المرافئ السورية لدورها الإقليمي الكامل.
اقرأ أيضاً: مرفأ اللاذقية: تاريخ الاستثمار الفرنسي وتطوير بوابة سوريا اللوجستية إلى المتوسط