شلل القضاء في السويداء يفاقم معاناة الأهالي.. والحكومة تعجز عن إعادة مؤسسات الدولة إلى العمل
بعد أكثر من عام على أحداث تموز 2025، لم تعد أزمة السويداء تقتصر على الجوانب الأمنية والخدمية، بل امتدت إلى قلب المنظومة القضائية والإدارية، حيث تحولت معاملات المواطنين وحقوقهم إلى ملفات معلقة بانتظار عودة مؤسسات الدولة إلى الحد الأدنى من الفاعلية. وبين قرارات تصفها وزارة العدل بأنها “مؤقتة”، وواقع يومي يزداد تعقيداً، يجد آلاف السكان أنفسهم أمام إدارة شبه مشلولة، بينما تبدو الحكومة السورية الانتقالية عاجزة حتى الآن عن إعادة الحياة إلى واحدة من أهم مؤسسات الدولة.
ففي 20 أيار الماضي، أصدرت وزارة العدل قراراً يقضي بإيقاف دعاوى البيوع العقارية، والدعاوى الشخصية، والقضايا التي تكون الجهات العامة طرفاً فيها داخل محافظة السويداء، إضافة إلى تعليق الوكالات المتعلقة ببيع العقارات والمركبات، بحجة حماية الحقوق ومنع استغلال الظروف الاستثنائية.
ورغم أن القرار أبقى باب تسجيل الدعاوى مفتوحاً دون السير بإجراءات المحاكمة، فإنه عملياً جمّد آلاف الملفات القانونية، وأدخل المحافظة في حالة من الركود القضائي انعكست على مختلف تفاصيل الحياة.
محاكم تعمل… لكن العدالة متوقفة
على الورق، ما تزال المحاكم موجودة، إلا أن نشاطها الفعلي بات محدوداً للغاية. ويؤكد محامون في السويداء أن العمل القضائي انحصر في نطاق ضيق يشمل بعض قضايا الزواج والطلاق، وعدداً محدوداً من القضايا الجزائية التي أُلقي القبض على المتهمين فيها، بينما بقيت معظم الدعاوى المدنية والمالية والعقارية خارج دائرة الفصل القضائي.
ويعني ذلك أن آلاف المواطنين لم يعودوا قادرين على تحصيل حقوقهم أو الفصل في نزاعاتهم أو حتى إنجاز معاملات قانونية اعتيادية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الإداري.
مؤسسات غائبة… والمواطن يدفع الثمن
ولم يتوقف التعطيل عند المحاكم، بل امتد إلى دوائر الأحوال المدنية والعقار والمالية، وهي المؤسسات الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للسكان.
وبات كثير من أبناء السويداء مضطرين إلى السفر نحو دمشق لإنجاز معاملات بسيطة، أو اللجوء إلى وسطاء مقابل تكاليف إضافية، بعدما فقدت المؤسسات المحلية قدرتها على تقديم خدماتها بصورة طبيعية.
ورغم افتتاح مركز للأحوال المدنية في ناحية الصورة الصغيرة، إلا أن الخطوة بقيت محدودة الأثر، نظراً لبعد المسافات عن كثير من القرى، فضلاً عن الصعوبات الأمنية واللوجستية التي تجعل الوصول إليه مرهقاً ومكلفاً.
ويكشف هذا الواقع حجم الإخفاق في إيجاد بدائل إدارية حقيقية، إذ اكتفت الحكومة السورية الانتقالية بإجراءات جزئية لم تتمكن من معالجة أصل المشكلة المتمثل في استمرار تعطل مؤسسات الدولة داخل المحافظة.
السوق العقارية بين الجمود والفوضى
ومن أكثر القطاعات تضرراً، السوق العقارية التي دخلت مرحلة شلل شبه كامل بعد وقف دعاوى البيوع وتعليق الوكالات العقارية.
فالبائع يخشى فقدان الضمانات القانونية، بينما يتردد المشتري في إتمام أي صفقة لا يمكن تسجيلها رسمياً، ما أدى إلى تجميد حركة البيع والشراء بصورة غير مسبوقة.
وفي المقابل، بدأ بعض المواطنين اللجوء إلى عقود عرفية خارج السجل العقاري، في محاولة للالتفاف على حالة الجمود، إلا أن هذه العقود تظل عرضة للنزاعات والاحتيال، بسبب غياب الحماية القانونية الكاملة.
محامون بلا قضايا… وحقوق معلقة
ولم يكن المحامون بمنأى عن الأزمة، إذ أدى توقف معظم الدعاوى إلى تراجع كبير في أعمالهم، وسط تقديرات بوجود نحو 1300 محامٍ في المحافظة يعتمدون بصورة مباشرة على النشاط القضائي.
وأغلقت مكاتب عديدة أبوابها أو خففت نشاطها، بينما وجد كثير من المحامين أنفسهم أمام مصدر دخل شبه متوقف، في ظل قيود قانونية تمنعهم من ممارسة مهن أخرى.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة العدل أن قراراتها تهدف إلى حماية الحقوق، تبدو الصورة على الأرض أكثر تعقيداً؛ إذ أصبحت الحقوق نفسها رهينة انتظار مفتوح، بينما يضطر المواطن للاختيار بين تأجيل معاملاته إلى أجل غير معلوم، أو اللجوء إلى حلول غير رسمية تفتقر إلى الضمانات.
ويبقى السؤال الذي يطرحه أبناء السويداء اليوم: إلى متى ستظل المحافظة تعيش خارج الدورة الطبيعية لمؤسسات الدولة؟ فاستمرار تعطيل القضاء والإدارة لا يعني فقط تجميد الملفات القانونية، بل يكرس أزمة ثقة متنامية في قدرة الحكومة السورية الانتقالية على إعادة بناء مؤسساتها، ويجعل آلاف الحقوق والمصالح اليومية معلقة على موعد لا يبدو أنه اقترب بعد.
اقرأ أيضاً: نقص العملة الجديدة يربك أسواق السويداء