المراكز الثقافية في سوريا.. هل تصنع المحاضرات وعياً أم تكتفي بإنتاج وهم التغيير؟
في بلدٍ أنهكته الحرب واستنزفته الأزمات الاقتصادية، تبدو المحاضرات التي تنظمها المراكز الثقافية السورية وكأنها محاولة لإحياء الحياة العامة وسط ركام طويل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن كثرة هذه الفعاليات، بل عن جدواها الفعلية: هل تصنع تغييراً حقيقياً في المجتمع، أم أنها تحولت إلى نشاط موسمي يمنح الحضور جرعة مؤقتة من الحماس قبل أن يبتلعها واقع أكثر قسوة؟
ورغم توسع النشاط الثقافي بعد وصول الحكومة السورية الانتقالية، فإن كثيراً من هذه الفعاليات ما تزال تدور داخل القاعات نفسها، وبين الوجوه ذاتها، في وقت تتراجع فيه الأولويات الثقافية أمام الضغوط المعيشية التي تدفع السوري إلى البحث عن لقمة العيش أكثر من بحثه عن محاضرة مسائية.
حماس ينتهي عند باب القاعة
يخرج كثير من الحاضرين بانطباع إيجابي، يحملون دفاتر مليئة بالملاحظات وصوراً مع المحاضر، لكن هذا الأثر غالباً لا يصمد طويلاً أمام إيقاع الحياة اليومية.
فالاختصاصيون في علم النفس يرون أن المحاضرة قادرة على إثارة الوعي أو تحريك المشاعر، لكنها عاجزة وحدها عن إحداث تغيير سلوكي دائم، لأن التغيير يحتاج إلى متابعة وممارسة وتكرار، وهي عناصر تغيب عن أغلب الأنشطة الثقافية التي تكتفي بجلسة واحدة ثم تطوي ملفها.
وبذلك تتحول المحاضرة إلى لحظة إلهام عابرة، لا تختلف كثيراً عن منشور تحفيزي على وسائل التواصل الاجتماعي، يترك أثراً مؤقتاً قبل أن يذوب في زحام الأزمات.
الثقافة تخاطب من اقتنع مسبقاً
تكشف طبيعة الجمهور عن معضلة أعمق. فمعظم رواد المراكز الثقافية ينتمون أصلاً إلى فئات مهتمة بالقراءة والمعرفة، بينما تبقى الشرائح الأكثر احتياجاً للتوعية خارج القاعات، إما بسبب ضيق الوقت، أو ارتفاع تكاليف المواصلات، أو انشغالها بتأمين أساسيات الحياة.
وهكذا تدور الفعاليات داخل دائرة مغلقة، حيث يخاطب الخطاب الثقافي جمهوره التقليدي، فيما يبقى أثره المجتمعي محدوداً، بعيداً عن الأحياء الفقيرة والبلدات التي تفتقر أصلاً إلى أي نشاط ثقافي منتظم.
أزمة إدارة لا أزمة ثقافة
المشكلة لا تبدو في فكرة المحاضرات بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها. فالمراكز الثقافية، الرسمية والأهلية، تعتمد غالباً على نموذج “الحدث الواحد”، لأنه الأقل تكلفة والأسهل تنظيماً، بينما تغيب البرامج التراكمية وورش العمل والمتابعة العملية التي يمكن أن تحول المعرفة إلى سلوك.
ويعكس هذا النمط جانباً من العقل الإداري الذي ما زال يطغى على مؤسسات الدولة السورية الانتقالية، حيث تُقاس النجاحات بعدد الفعاليات والصور المنشورة أكثر من قياس أثرها الحقيقي في المجتمع.
فالإنجاز يصبح إقامة محاضرة جديدة، لا بناء مشروع ثقافي قادر على الاستمرار وإحداث تغيير ملموس.
بين الحاجة إلى الوعي وضغط المعيشة
لا يمكن إنكار أن المراكز الثقافية ما تزال تشكل واحدة من المساحات القليلة التي تجمع السوريين حول نقاش عام، في بلد فقد كثيراً من فضاءاته المشتركة خلال سنوات الصراع.
لكن هذه القيمة تبقى محدودة ما دامت الثقافة تُقدَّم بوصفها نشاطاً منفصلاً عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فمن يعيش تحت ضغط البطالة وارتفاع الأسعار وانعدام الاستقرار لن تغير حياته محاضرة لساعتين، مهما كان مضمونها عميقاً.
ولذلك، فإن أزمة المحاضرات ليست أزمة محتوى، بل أزمة بيئة كاملة تجعل التغيير الفردي مهمة شاقة، فيما تعجز المؤسسات الرسمية عن بناء سياسة ثقافية متكاملة تربط المعرفة بالفعل، والوعي بالممارسة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو كثير من المحاضرات أقرب إلى محاولة تجميل واقع مأزوم، أكثر من كونها أداة حقيقية لإصلاحه، لتبقى الأسئلة معلقة بعد انطفاء أضواء القاعة: هل يكفي الكلام لتغيير مجتمع يرزح تحت أعباء يومية ثقيلة، أم أن الثقافة نفسها أصبحت ضحية أزمة أعمق من قدرتها على معالجتها؟
اقرأ أيضاً: تعزيز العلاقات الدينية والثقافية: تركيا تُنشئ ملحقية ومستشارية للخدمات الدينية في حلب ودمشق