إصابات مصياف تتراجع.. لا كوليرا في الفحوصات والأسئلة حول مصدر التفشي ما تزال مفتوحة
بعد أيام من القلق الذي عاشته مدينة مصياف في ريف حماة، أعلنت وزارة الصحة في الحكومة السورية الانتقالية أن نتائج الفحوص المخبرية الخاصة بالكوليرا جاءت سلبية، مع تسجيل تراجع واضح في أعداد المصابين بالإسهال الحاد، لكن بقاء سبب الإصابات مجهولًا أبقى المخاوف قائمة حول قدرة النظام الصحي على التعامل مع الأزمات الوبائية قبل تحولها إلى تهديد أوسع.
وقالت الوزارة، الأربعاء 15 من تموز، إن جميع العينات المفحوصة للكوليرا جاءت سلبية، كما أظهرت نتائج أولية لجزء من عينات المياه سلامتها الجرثومية، مؤكدة استمرار عمليات التقصي البيئي والمخبري لتحديد العامل المسبب ومصدر التعرض المحتمل.
وبحسب البيانات الرسمية، انخفض عدد الحالات اليومية من ذروة بلغت 271 إصابة في 13 من تموز إلى نحو 75 حالة في 15 من الشهر نفسه، فيما وصل العدد التراكمي للمراجعين في مستشفى “مصياف الوطني” إلى 620 حالة، من بينها 38 حالة شديدة، دون تسجيل وفيات.
انحسار الإصابات لا ينهي الأسئلة
رغم تراجع المنحنى الوبائي، فإن غياب تفسير نهائي لمصدر الإصابات يعيد تسليط الضوء على واقع القطاع الصحي في سوريا، حيث غالبًا ما تبدأ الأزمات من فجوات صغيرة في الرقابة والخدمات قبل أن تتحول إلى أزمات عامة يصعب احتواؤها.
وسجلت المدينة خلال أيام قليلة ارتفاعًا مفاجئًا في حالات الإسهال الحاد، إذ ارتفع العدد من 92 حالة في 12 من تموز إلى 271 حالة في اليوم التالي، قبل أن يبدأ بالتراجع التدريجي.
وتواصل فرق الاستجابة الصحية جمع العينات من مصادر مختلفة، ومراقبة مياه الشرب، وتحليل التوزع الجغرافي للحالات، وسط انتظار نتائج إضافية قد تحدد طبيعة العامل المسبب.
تحقيقات تبحث عن مصدر العدوى
بالتوازي مع التحرك الصحي، فتحت مديرية الأمن الداخلي في مصياف تحقيقًا موسعًا لتحديد أسباب انتشار الإصابات، بعد تسجيل الحالات في 12 حيًا داخل المدينة، مع دعوات رسمية لتجنب تداول الشائعات والاعتماد على البيانات الصادرة عن الجهات المختصة.
وكان المكتب التنفيذي لمجلس مدينة مصياف قد أكد في وقت سابق سلامة مياه الشرب وفق التحاليل الأولية، مستبعدًا وجود تلوث مائي، في حين بقيت احتمالات أخرى مفتوحة بانتظار نتائج الفحوص النهائية.
فرضية الفيروس بدل التسمم
وفي ظل غياب دليل مخبري نهائي، رجح اختصاصي نظم إدارة سلامة الغذاء محمد عبد الله الشيخ علي أن تكون الإصابات مرتبطة بالتهاب أمعاء فيروسي، مثل النوروفيروس أو الروتا فيروس، وليس بتسمم غذائي أو مائي بكتيري.
وأوضح أن سلامة عينات المياه وعدم ظهور أعراض مثل البراز الدموي أو المخاطي، إضافة إلى انتشار الحالات في أحياء متعددة، تجعل فرضية العدوى الفيروسية أكثر ترجيحًا، مشيرًا إلى أن هذه الإصابات غالبًا ما تتحسن خلال أيام مع العلاج الداعم وتعويض السوائل.
أزمة صحية تكشف ضعف البنية الخدمية
ورغم انخفاض أعداد المراجعين، فإن حادثة مصياف تعكس تحديًا أكبر يواجه الحكومة السورية الانتقالية، يتمثل في ضعف البنية الصحية والرقابية بعد سنوات طويلة من تراجع الخدمات، حيث ما تزال الاستجابة تعتمد غالبًا على احتواء الأزمات بعد وقوعها بدل بناء منظومة وقائية قادرة على منعها.
وتبقى سلامة المياه والغذاء، إلى جانب جاهزية المختبرات وشبكات الرصد الصحي، عوامل حاسمة في بلد أنهكته الحرب وتدهورت فيه البنى الأساسية، ما يجعل أي خلل محلي قابلًا للتحول إلى أزمة واسعة إذا لم ترافقه إجراءات رقابية واستجابة مؤسساتية فعالة.
وفي انتظار تحديد السبب الحقيقي وراء إصابات مصياف، يبقى تراجع الأرقام مؤشرًا إيجابيًا مؤقتًا، لكنه لا يلغي السؤال الأوسع: هل تمتلك سوريا اليوم منظومة صحية قادرة على مواجهة الأوبئة، أم أن كل أزمة جديدة ستظل تكشف هشاشة ما تبقى من القطاع؟
اقرأ أيضاً: إصابات مصياف المعوية.. 300 مريض يكشفون هشاشة المنظومة الصحية وعجز الحكومة الانتقالية عن تقديم إجابات حاسمة