السريان يطالبون باعتراف دستوري بلغتهم في سوريا.. هل ينجح الدستور الجديد في حماية التنوع أم يعيد إنتاج التهميش؟
في بلد تتعدد فيه الهويات بقدر ما تتعدد جراحه، عادت اللغة السريانية إلى واجهة النقاش السوري، لا بوصفها مجرد أداة تواصل، بل باعتبارها ذاكرة ثقافية عمرها قرون تبحث عن مكان لها في الدولة الجديدة التي يجري تشكيل ملامحها بعد سنوات من الصراع والانقسامات.
من الاعتراف بالكردية إلى المطالبة بحقوق بقية المكونات
فبعد إصدار المرسوم الرئاسي رقم “13” الذي اعترف باللغة الكردية لغة وطنية وأقر الحقوق الثقافية للمكون الكردي، تصاعدت مطالب أبناء المكون السرياني في محافظة الحسكة بالحصول على اعتراف مماثل يضمن مكانة لغتهم وحقوقهم الثقافية ضمن الدستور السوري المرتقب.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت مدينة الحسكة وقفات وفعاليات نظمها عشرات السريان للمطالبة بإدراج اللغة السريانية في النصوص الدستورية، كان آخرها في 23 من حزيران الماضي، حيث رفع المشاركون شعارات تؤكد أن حماية اللغة السريانية ليست مطلبًا فئويًا، بل جزء من الحفاظ على أحد مكونات التاريخ الثقافي السوري.
السريان: نريد حماية لغة لا امتيازات خاصة
ويرى أبناء المكون السرياني أن الاعتراف باللغة يمثل الحد الأدنى من حقوقهم، معتبرين أن السريانية ليست مجرد لغة متداولة داخل نطاق ضيق، وإنما إرث حضاري ارتبط بتاريخ المنطقة وسكانها منذ قرون طويلة.
ويقول جورج إبراهيم، أحد أبناء المكون السرياني في الحسكة، إن المطلوب لا يقتصر على الاعتراف الرمزي، بل يجب أن يتحول إلى إجراءات عملية تشمل إدراج اللغة السريانية في المناهج التعليمية الرسمية، وتأهيل كوادر تدريسية، وإنشاء برامج أكاديمية تضمن انتقالها إلى الأجيال المقبلة.
ويعتبر إبراهيم أن الاعتراف باللغة الكردية فتح الباب أمام بقية المكونات السورية لطرح مطالبها، مشددًا على أن الدستور الجديد يجب ألا يكون مجرد وثيقة سياسية، بل عقدًا اجتماعيًا يعكس حقيقة التنوع الموجود في البلاد بعد عقود من سياسات الإقصاء والتهميش.
لغة مهددة بين ضعف التعليم وتراجع الاستخدام
من جهته، يرى آدم شمعون أن بقاء اللغة السريانية يعتمد على وجود حماية مؤسساتية، إذ إن الجهود الفردية التي تبذلها العائلات والكنائس والمراكز الثقافية لم تعد كافية أمام تراجع استخدامها بين الأجيال الجديدة.
ويشير إلى أن غياب الاعتراف الرسمي جعل تعليم اللغة محدودًا ومحاصرًا ضمن مبادرات خاصة، في حين أن إدراجها ضمن التعليم الرسمي ومنح شهادات معتمدة للدارسين يمكن أن يمنحها فرصة حقيقية للاستمرار كلغة حية.
أما المعلمة هيلين كوركيس، فتختصر جوهر المطالب بالقول إن اللغة لا تُحفظ بالشعارات، وإنما عبر وجود مدارس ومؤسسات ومناهج تجعلها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، معتبرة أن المرحلة الانتقالية الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة السورية على التعامل مع مكوناتها على أساس المواطنة لا الإقصاء.
الدستور الجديد أمام اختبار التنوع السوري
وتأتي هذه المطالب في ظل نقاش أوسع حول صياغة دستور جديد لسوريا بعد التحولات السياسية الأخيرة، حيث تسعى مكونات قومية ودينية مختلفة إلى تثبيت حقوقها الثقافية واللغوية ضمن النص الدستوري.
ورغم أن الحكومة السورية الانتقالية تحدثت عن حماية التنوع الثقافي واللغوي، فإن الانتقال من البيانات العامة إلى ضمانات دستورية وتشريعات واضحة ما يزال يمثل التحدي الأكبر، خصوصًا في ظل إرث طويل من تهميش الهويات المحلية ومحاولات صهر التنوع ضمن نموذج واحد للدولة.
ولا يطالب السريان، وفق ممثليهم، بامتيازات سياسية أو ترتيبات خاصة، بل باعتراف قانوني بلغة كانت جزءًا من تاريخ سوريا قبل تشكل الدولة الحديثة. لكن معركة اللغة تبدو اليوم انعكاسًا لمعركة أوسع حول شكل سوريا القادمة: هل ستكون دولة تستوعب تعددها، أم ستعيد إنتاج الصيغ القديمة التي جعلت كثيرًا من مكوناتها تخوض معارك طويلة لإثبات وجودها؟
اقرأ أيضاً: رجل دين مسيحي يحذّر: الوجود المسيحي في سوريا يختفي بصمت