المشاريع المنزلية.. بديل السوريات عن الراتب الثابت

لم تعد الشهادة الجامعية في حسابات الكثير من الشابات السوريات تلك البوابة الآمنة والمضمونة نحو مستقبل مهني مستقر، فبين وطأة الرواتب التي عجزت عن ملاحقة متطلبات المعيشة الأساسية، وساعات العمل الطويلة المنهكة، تلاشت جاذبية الوظيفة النمطية، ما دفع بأعداد متزايدة من الخريجات والنساء إلى إعادة صياغة مفهوم العمل، والاتجاه نحو فضاء المشاريع المنزلية والعمل الحر بحثاً عن مرونة أكبر ومردود مالي أفضل

اليوم، يتجلى هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي بوضوح في نماذج لافتة لخريجات ومهندسات ومعلمات وجدن شغفهن ومصدر رزقهن في صناعات يدوية كصناعة الشموع العطرية، وتنسيق الهدايا، وإعداد الحلويات، والتطريز، والرسم، ليرسمن بذلك ملامح واقع اقتصادي جديد تولد فيه الفرص من رحم التحديات

من مدرجات الجامعة إلى ريادة الأعمال المنزلية

تجسد ريم صوان، الطالبة الجامعية في سنتها الثالثة، هذا التحول الاستباقي، إذ لم تنتظر نيل شهادتها لتبدأ مسيرتها العملية، بل أطلقت مشروعاً لإنتاج الشموع والعطور من غرفتها بعدما أيقنت بمحدودية الفرص الوظيفية في مجال دراستها

وتؤكد ريم أن ما بدأ كشغف تحول إلى رافد مالي يساعدها في تغطية مصاريفها الجامعية، مبيحة بأن هذا العمل أكسبها مهارات تسويقية وإدارية تفوق ما تتلقاه في قاعات المحاضرات، ومنحها استقلالية وثقة في إدارة وتطوير أفكارها دون قيود

قيود الوظيفة وغياب التوازن بين العمل والحياة

على الجانب الآخر، تروي سارة الحلبوني تجربتها مع العمل المؤسسي الخاص الذي قررت مغادرته والاتجاه نحو تنسيق الهدايا والمنتجات اليدوية وتصوير المناسبات، وتوضح سارة أن أزمتها لم تكن مع جوهر العمل بل مع شروطه القاسية، حيث كانت تقضي ثماني ساعات يومية تعود بعدها مستنزفة الطاقة والوقت دون قدرة على الاهتمام بعائلتها أو تطوير ذاتها، وذلك لقاء راتب لا يكاد يكفي الاحتياجات المعيشية، ورغم مخاوف الفشل والتردد التي سبقت خطوتها، إلا أنها فضلت المغامرة للفوز بنمط حياة أكثر توازناً

الاستقلال المادي من قلب المنزل

أما بالنسبة لربة المنزل منيرة شحادة، التي حالت الظروف دون إتمام تعليمها الجامعي، فقد كان الفضاء الرقمي نافذتها لترويج المخللات والمربيات والحلويات التي تصنعها بيديها، مما أتاح لها تحقيق استقلال مادي والمساهمة في ميزانية أسرتها دون الاضطرار لترك أطفالها، بل إن مشروعها توسع ليشغل معها جاراتها في المواسم الإنتاجية محققاً لهن دخلاً إضافياً

وفي ذات السياق، استثمرت الخريجة لين نبيل موهبتها في الرسم وتصميم الهدايا بعد سنوات من البحث العقيم عن وظيفة تناسب تخصصها، مدركة أن النجاح الحقيقي يكمن في توظيف المهارات الشخصية وتحويلها إلى قيمة مضافة وليس في المسميات الوظيفية الجافة

مرونة وتكيف تفرضهما الظروف الاجتماعية والاقتصادية

تفسر الأخصائية الاجتماعية الدكتورة سمر حبيب علي هذا التوجه المتنامي باعتباره استجابة مرنة فرضتها التغيرات الاقتصادية والاجتماعية وليس تخلياً طوعياً عن الوظيفة، وترى أن تراجع القوة الشرائية وتلاشي شبكات الدعم الأسري، بجانب الأعباء المنزلية التقليدية الملقاة على عاتق المرأة، جعلت من المشروع المنزلي الملاذ الأمثل للجمع بين الإنتاج المالي ورعاية الأسرة، ورغم دور هذه المشاريع في تعزيز الاستقلالية، تنبه الدكتورة علي إلى أنها تكشف في الوقت ذاته عن عجز سوق العمل الرسمي عن تقديم بيئة جاذبة ومستقرة تلبي طموحات النساء

بحثاً عن مساحات الإبداع وتحقيق الذات

من جهتها، ترى الأخصائية النفسية سوسن سلماوي أن خيار العمل الحر والمنزلي بات قراراً واعياً يعكس رغبة الشابات في التحرر من قيود الوظائف التقليدية وبناء مسارات مهنية تعبر عن قدراتهن الإبداعية، وتلفت سلماوي إلى أن عجز بعض التخصصات والوظائف عن توفير الرضا المهني والمادي يدفع الفتيات لاستثمار طاقاتهن الذاتية، مما يعزز ثقتهن بأنفسهن ويمنحهن شعوراً بالمسؤولية

وتضيف أن الابتعاد عن الاختصاص الأكاديمي قد يسبب إحباطاً مؤقتاً في البداية، لكن المعارف المكتسبة تظل رصيداً معرفياً يثري أي تجربة جديدة، خصوصاً أن معايير النجاح المعاصرة أصبحت تركز على التوازن الشخصي والرضا والقدرة على التطور المستمر

تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية وتحديات الاستدامة

أما على الصعيد الاقتصادي، فتشير الخبيرة الاقتصادية ألاء عواد إلى الأثر الإيجابي البارز لهذه المشاريع المنزلية باعتبارها روافد حيوية للاقتصاد المحلي تساهم في خلق حركة تسويق وإنتاج وشراء للمواد الأولية، مع إمكانية تحولها إلى منشآت تشغيلية توظف نساء وشباناً آخرين

ومع ذلك، تظل هناك تحديات بنيوية تقلق المهتمين بهذا الشأن، حيث تحذر الدكتورة سمر حبيب علي من أن نشاط هذه المشاريع ضمن القطاع غير الرسمي يحرم صاحباتها من المظلات القانونية كالتأمين الصحي والتقاعد، ويحد من نموها لضعف التمويل والخبرات التسويقية والإدارية

نحو بيئة داعمة وخيارات مهنية حرة

تتفق الرؤى على أن الحل لا يكمن في إجبار النساء على العودة للوظائف التقليدية، بل في تأسيس بيئة حاضنة تدعم خياراتهن عبر تقديم التدريب والتمويل والتسويق للمشاريع الناشئة، بالتوازي مع تحسين شروط العمل الرسمي وتوفير خدمات مساندة كالحضانات لتسهيل التوفيق بين الأدوار المهنية والأسرية

وفي المحصلة، تؤكد تجارب الرائدات السوريات أن خطوة المغامرة وتأسيس العمل الخاص، رغم ما يكتنفها من قلق، منحت الشابات القدرة على امتلاك زمام وقتهن وصياغة مفهوم جديد للنجاح يثبت أن التميز لا تحده جدران المكاتب الرسمية بل تصنعه الموهبة والإرادة من أبسط المساحات المنزلية.

 

اقرأ أيضاً:تعرف عليهن.. 22 امرأة في مجلس الشعب السوري الجديد بين التعيين والانتخاب

اقرأ أيضاً:لوموند: حقوق المرأة الكردية في مهب الريح: مخاوف من التراجع مع ملامح الدولة السورية الجديدة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.