“التقزم الغذائي” يهدد بنية جيل كامل من أطفال سوريا

تحولت اللحوم، والبيض، والحليب في سوريا من أساسيات غذائية إلى أحلام بعيدة المنال لعائلات كثيرة بفعل الظروف المعيشية الصعبة والارتفاع الحاد في الأسعار. هذا الواقع الصعب أفرز ظاهرة صحية بالغة الخطورة تُعرف بـ “التقزم الغذائي” (Stunting)؛ حيث بات من الشائع رؤية طفل سوري في السابعة من عمره بجسد يبدو كأنه في الرابعة، في ظل تقديرات دولية تشير إلى أن نحو 600 ألف طفل في سوريا يعانون من التقزم (أي ما يقارب ثلث أطفال البلاد).

ويرى الدكتور سامر الجنيدي عضو فريق سامز واختصاصي أمراض الأطفال والرضع أن هذه القضية تعد من أكثر الملفات الصحية حساسية وتستوجب استجابة عاجلة من الكوادر الطبية والمؤسسات الإنسانية.

ما هو التقزم الغذائي؟ وما الفرق بينه وبين القصر الوراثي؟

توضح اختصاصية التغذية العلاجية، الدكتورة نور الصبان، لموقع Syria One أن التقزم الغذائي هو عدم قدرة جسم الطفل على الطول والنمو بالشكل السليم المناسب لفئته العمرية نتيجة الإصابة بـ سوء التغذية المزمن ونقص المغذيات الأساسية لفترات طويلة.

وللتفريق بين الحالتين، يمكن الاعتماد على المقارنة التالية:

وجه المقارنة القصر الوراثي (Genetic Short Stature) التقزم الغذائي (Nutritional Stunting)
السبب الرئيسي جينات العائلة والتاريخ الوراثي للأبوين. سوء التغذية المزمن ونقص العناصر الأساسية.
الحالة الصحية طبيعية تماماً ولا يعاني الطفل من نقص مغذيات. يعاني من عوز حاد ومثبت في المعادن والفيتامينات.
معدل الاستجابة ينمو الطفل بشكل طبيعي ومستقر وفق جيناته. يتأخر النمو الجسدي والعقلي مقارنة بالأقران.

كيف يحدث التقزم في جسم الطفل؟

عندما يعجز الجسم عن الحصول على البروتينات عالية الجودة، الزنك، الكالسيوم، والطاقة، فإنه يدخل في ما يشبه “حالة الطوارئ للبقاء”. في هذه الحالة، يوجه الدماغ المغذيات الشحيحة المتاحة لتشغيل الأعضاء الحيوية فقط (كالقلب والدماغ) لإبقاء الطفل حياً، بينما يغلق تماماً ميزانية نمو العظام الطولية، مما يؤدي إلى انخفاض إفراز هرمون النمو وتوقف الطول.

3 أسباب رئيسية وراء انتشار التقزم الغذائي في سوريا

تؤكد د. نور الصبان أن الفقر هو المحرك الأساسي للمشكلة، لكن تفاصيل الأزمة في الواقع السوري تتلخص في ثلاثة محاور متشابكة:

1. غياب التنوع الغذائي أو “الجوع الخفي”

تعتمد أغلب العائلات السورية اليوم على وجبات رخيصة تسد الرمق وتمنح الشعور بالشبع (كالخبز، الأرز، والبطاطا) لتوفر النشويات والسكريات، مقابل غياب شبه كامل للبروتين الحيواني (اللحوم، البيض، الأجبان والألبان). هذا النقص الحاد في الفيتامينات والمعادن النوعية المسؤولة عن انقسام خلايا العظام يُعرف علمياً بـ “الجوع الخفي”.

2. حلقة الالتهابات المتكررة وتلوث المياه

يؤدي غياب النظافة الصحية وتلوث المياه في بعض المناطق إلى إصابة الأطفال بالنزلات المعوية والمغص المتكرر. التهابات الأمعاء المتلاحقة تُفقد جسم الطفل القدرة على امتصاص واستغلال المغذيات، وبالتالي لا يستفيد من أي طعام يُقدم له.

3. سوء تغذية الأم الحامل

تبدأ الأزمة أحياناً والطفل ما يزال جنيناً؛ حيث تمر الحوامل بفترات الحمل وهن يعانين من فقر الدم وسوء التغذية الشديد، مما يؤدي إلى ولادة أطفال بأوزان ناقصة وأحجام صغيرة يتعثر نموهم منذ اللحظة الأولى.

العلامات التحذيرية للتقزم: كيف تكتشف الأم الإصابة؟

تُطالب د. نور الصبان الأمهات بمراقبة أطفالهن بدقة وعدم الاعتماد على التقييم البصري بالعين المجردة فقط، بل عبر الفحص الدوري في المراكز الصحية وقياس الطول والوزن على مخطط النمو المعتمد.

ومن أبرز العلامات التحذيرية:

  • ثبات الطول والمقاسات: عدم تغير مقاسات ملابس الطفل لعدة أشهر، أو ملاحظة أنه أقصر بكثير من أقرانه في نفس العمر والجنس.

  • الخمول وتأخر التطور الحركي: التباطؤ في مهارات الجلوس والمشي، وملاحظة قلة الحركة والرغبة في اللعب مع شعور دائم بالإرهاق.

  • تكرار الإصابة بالأمراض: ضعف الجهاز المناعي يجعل الطفل عرضة للعدوى المستمرة (كالرشح والنزلات المعوية) مع طول فترة التعافي.

آلية العلاج: نافذة الـ 1000 يوم الأولى هي “الفرصة الذهبية”

تؤكد اختصاصية التغذية العلاجية أن علاج التقزم ممكن تماماً بشرط التدخل المبكر.

الفترة الذهبية للعلاج (أول 1000 يوم):

تبدأ هذه النافذة من مرحلة تشكل الجنين في رحم الأم وحتى إتمام الطفل عمر السنتين. إذا تم التدخل الطبي والتغذوي خلال هذه الفترة عبر تقديم المكملات العلاجية وتأمين غذاء صحي متنوع، يمتلك الجسم قدرة فائقة على إحداث “قفزة نمو تعويضية” يعود بها الطفل إلى طوله الطبيعي.

أما في حال تجاوز الطفل عمر السنتين أو الثلاث سنوات دون علاج، فإن مراكز نمو العظام تصبح ضعيفة الاستجابة ويستقر الطول، ليتحول التقزم إلى حالة دائمة ترافق الشخص طوال حياته، وتؤثر سلباً على مظهر الجسد والقدرات الذهنية والتحصيل الدراسي في المستقبل.

إقرأ أيضاً: اليونيسف في سوريا: اتساع الفجوة الإنسانية تحت ركام الحرب وغياب الاستجابة الكافية في بلد ينهكه العجز

إقرأ أيضاً: 8.8% من الأسر السورية تواجه فاتورة الإعاقة.. ونقص الرعاية يُلاحق ثلث الأطفال

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.