أبعد من رغيف الخبز: لماذا يُعد القمح في سوريا مسألة سيادة وجودية لا مجرد سلعة؟
أثارت التصريحات الأخيرة حول رفع يد الحكومة عن القمح والخبز نقاشاً بدا في ظاهره اقتصادياً تقنياً، لكنه في العمق يمس جوهر الدولة ومعناها. حين يتردد خطأً أن إنتاج الخبز ليس من مسؤولية السلطة، يتحول الرغيف من مادة غذائية إلى سؤال سياسي: ما وظيفة الدولة في مجتمع أنهكته الحرب، وتراجعت قدرته الشرائية، وصار فيه الغذاء اليومي معركة للبقاء؟
إن القمح في سوريا ليس بضاعة عادية تخضع لآليات العرض والطلب؛ بل هو محصول سيادي ترتبط به الأرض، المياه، الفلاح، والطحن، والدعم. وكل مقاربة تتعامل معه كمنتج منفصل، تسقط من حساباتها الركن الأساسي لبناء الدولة: الأمن الغذائي.
الخبز بوصفه عقداً اجتماعياً صامتاً
في المجتمعات الخارجة من النزاعات، يتحول الخبز إلى عقد اجتماعي غير مكتوب بين الدولة والناس. لا يطلب المواطن من الحكومة أن تخبز كل رغيف بيدها، ولكنه ينتظر منها ألا تتركه فريسة للفوضى وجشع الأسواق.
حين تعجز الدولة عن ضمان الحد الأدنى من الغذاء، يقرأ المجتمع هذا العجز باعتباره سقوطاً في وظيفة الحماية الأساسية. إن “ربطة الخبز” لا تختصر الطحين والماء والخميرة فحسب، بل تختصر مستوى الثقة في الدولة؛ لذا فإن خفض وزن الربطة أو تقليص عدد الأرغفة ليس تعديلاً فنياً، بل هو رسالة اجتماعية قاسية تعني تراجع الدعم بغض النظر عن ثبات السعر.
القمح ذاكرة القوة السورية: من “مفاوضات السلام” إلى الاستقرار الاقتصادي
عرفت سوريا عقوداً كان القمح فيها عنواناً لقوة الدولة واكتفائها الذاتي. فقد شكلت مناطق الجزيرة والفرات وحلب وحماة خريطة إنتاج منحت دمشق هامشاً واسعاً في القرار السياسي والاقتصادي.
خلال مفاوضات “شيبردز تاون” (مفاوضات السلام السورية – الإسرائيلية برعاية أمريكية في يناير 2000)، دخلت سوريا المفاوضات وهي تستند إلى احتياطي استراتيجي ضخم من القمح كان كافياً لخمس سنوات. لم يكن هذا المخزون مجرد أرقام في دفاتر الحبوب، بل كان لغة سيادة وأداة أمان وطني تحمي القرار السياسي من الضغوط الخارجية. فالمخزون الاستراتيجي في أوقات الأزمات يمنح الدولة فرصة لامتصاص الصدمات، وتأجيل الذعر، وتخفيف آثار الجفاف بدلاً من دخول الأسواق العالمية تحت ضغط الحاجة العاجلة.
الدولة والسوق: معادلة تكامل لا خصومة
يخطئ النقاش العام حين يحصر الحلول في خيارين متطرفين: إما دولة تحتكر كل شيء، أو سوق حر يقرر كل شيء. إن تجارب الدول تثبت أن الأمن الغذائي يتطلب الاثنين معاً وفق ترتيب واضح للمسؤوليات:
-
القطاع الخاص: يمكنه الاستثمار في الطحن، النقل، والخبز لإضفاء مرونة وكفاءة.
-
الدولة: يمكنها الانسحاب من الإدارة المباشرة للأفران الفاشلة، لكنها لا تخرج من قطاع القمح؛ بل تنتقل إلى دور “الضامن والمراقب” لحماية السلسلة من الاحتكار والانقطاع.
إن تحرير قطاع الخبز في مجتمع يعاني من الفقر التام دون شبكات حماية اجتماعية لا يصنع كفاءة اقتصادية، بل ينقل عبء الكارثة إلى الفئات الأكثر هشاشة.
الفلاح خط الدفاع الأول والاستيراد ليس بدلاً عن التخطيط
تبدأ السيادة الغذائية من الحقل لا من الفرن. أي سياسة للخبز لا تضع الفلاح في مقدمة أولوياتها (عبر تأمين الأسمدة، المحروقات، والأسعار العادلة) هي سياسة عاجزة؛ لأن ضعف الإنتاج في بداية السلسلة سيترجم حتماً إلى أزمة طحين وارتفاع في التكلفة عند نهايتها.
وعلى الرغم من أن الاستيراد قد يكون ممراً إجبارياً في مواسم العجز والجفاف، إلا أن تحويله إلى استراتيجية دائم يضع الأمن القومي تحت رحمة المتغيرات الخارجية. القوة الحقيقية للدولة لا تعني بالضرورة تحقيق الاكتفاء الكامل في كل موسم، بل امتلاك هامش أمان يمنع الخارج من التحكم برغيف المواطن.
طريق ثالث: إصلاح الدعم لا كسر الرغيف
إن منظومة دعم الخبز تحتاج بلا شك إلى إصلاح عميق، لكن هذا الإصلاح لا يبدأ بكسر الرغيف، بل بتحويل الدعم من استنزاف عشوائي للخزينة إلى أداة حماية ذكية وموجهة تمنع الهدر وتصل إلى مستحقيها الفعليين.
تُبنى شرعية الدول الحديثة حين يشعر المواطن أن حاجاته الأساسية ليست متروكة للصدفة. فالخبز الذي يصل بكرامة يثبت الثقة بأن هناك نظاماً قادراً على إدارة الحياة اليومية. القوة الحقيقية ليست في أن تقف الحكومة خلف الآلات لتخبز، بل في أن تضمن بقوة القانون والتخطيط ألا يصبح الرغيف رهينة للعجز أو الاحتكار أو الضغط الخارجي.
إقرأ أيضاً: تجاوز مليون طن من القمح في سوريا.. موسم وفير يصطدم بأزمات الإدارة والتسويق
إقرأ أيضاً: أزمة الخبز في سوريا.. تخفيض جديد للربطة وسط تراجع إنتاج القمح وتقليص الدعم