هيومن رايتس ووتش تدعو دمشق للتحقيق في اعتداءات رافقت احتجاجات المطالبة بالمحاسبة
تعود سوريا مرة أخرى إلى واحدة من أكثر قضاياها حساسية وتعقيدًا: كيف يمكن لمجتمع خرج من سنوات طويلة من العنف والانقسام أن يحقق العدالة دون أن ينزلق إلى الفوضى أو الانتقام؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة بعد موجة احتجاجات شهدتها عدة مناطق سورية خلال الأيام الماضية، ترافقت مع حوادث اعتداء وتحريض وتصاعد في خطاب الكراهية، ما دفع منظمات حقوقية دولية إلى التحذير من مخاطر اتساع الشرخ المجتمعي في مرحلة لا تزال مؤسسات الدولة فيها عاجزة عن بناء الثقة.
تحذيرات حقوقية من انفلات المشهد
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الاحتجاجات التي شهدتها مدن سورية منتصف حزيران تزامنت مع اعتداءات جماعية استهدفت أشخاصًا جرى ربطهم بالنظام السابق، داعية السلطات السورية إلى فتح تحقيقات عاجلة ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف.
ورأت المنظمة أن ما جرى يعكس حجم التوتر المتراكم داخل المجتمع السوري، ويؤكد الحاجة إلى مسار عدالة انتقالية واضح وشفاف قادر على استيعاب مطالب الضحايا ضمن إطار قانوني ومؤسساتي، بدل تركها رهينة ردود الفعل الشعبية والانفعالات الجماعية.
ردود فعل شعبية
خلال الأيام الماضية، شهدت محافظات عدة، بينها دمشق وحلب وإدلب، احتجاجات طالبت بتسريع مسار المحاسبة وملاحقة الشخصيات المرتبطة بمرحلة الحكم السابقة.
لكن هذه التحركات كشفت في الوقت ذاته عن فجوة متزايدة بين تطلعات الشارع وسرعة الإجراءات الرسمية، في وقت يشعر فيه كثير من السوريين أن ملفات العدالة ما تزال تتحرك بوتيرة أبطأ من حجم المظالم والانتهاكات التي عاشتها البلاد على مدى سنوات.
وبينما تؤكد الحكومة الانتقالية التزامها بمسار قانوني ومؤسساتي للمحاسبة، فإن استمرار التأخير في حسم العديد من الملفات الحساسة يفتح المجال أمام تصاعد الاحتقان وعودة الخطابات القائمة على التصنيف والاتهام الجماعي.
الدولة بين الاستجابة والاختبار
في محاولة لاحتواء التوتر، دفعت السلطات السورية بقوات أمنية إلى بعض مناطق الاحتجاج، كما أعلنت وزارة العدل تخصيص غرف قضائية مختصة بملفات العدالة الانتقالية في مختلف المحافظات.
وتقول الحكومة إن هذه الخطوات تهدف إلى تسريع إجراءات التقاضي وتوفير مسارات قانونية واضحة لمعالجة الشكاوى والملفات العالقة، إلا أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في قدرة المؤسسات الجديدة على استعادة ثقة السوريين وإقناعهم بأن العدالة يمكن أن تتحقق عبر القانون لا عبر الشارع.
مرحلة انتقالية تحت الضغط
تكشف التطورات الأخيرة أن سوريا لا تواجه فقط مهمة إعادة بناء مؤسساتها، بل أيضًا إعادة ترميم العقد الاجتماعي الذي تعرض لتصدعات عميقة خلال السنوات الماضية.
وفي ظل استمرار الانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تبدو العدالة الانتقالية اليوم أكثر من مجرد ملف قضائي؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة السورية الجديدة على إدارة إرث ثقيل من الأزمات دون السقوط في دوامة الفوضى أو إنتاج أشكال جديدة من الاحتقان.
فكل تأخير في بناء منظومة عدالة فعالة وعادلة لا يعني فقط بقاء الجراح مفتوحة، بل يهدد بتحويل الغضب المتراكم في الشارع إلى عامل إضافي من عوامل عدم الاستقرار في بلد لا يزال يبحث عن طريقه نحو التعافي.
اقرأ أيضاً: غياب حكومي وسط غليان الشارع.. اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في سوريا