رغم وعود المراجعة.. الشبكة السورية لحقوق الإنسان تحذر من بقاء قانون الجرائم الإلكترونية أداة تهدد الحريات
يتصاعد الجدل في سوريا حول قانون الجريمة المعلوماتية رقم /20/ لعام 2022، وسط تحذيرات حقوقية من اتساع دائرة تطبيقه على حساب حرية الرأي والتعبير، في وقت تقول فيه منظمات حقوقية إن الفضاء الرقمي يتحول تدريجياً من مساحة للنقاش العام إلى ساحة ملاحقة قانونية واسعة التأويل.
وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مراجعة عاجلة للقانون وآليات تنفيذه، بما ينسجم مع الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025 والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، محذّرة من استمرار استخدام نصوص فضفاضة تسمح بتفسيرات موسعة تطال التعبير السلمي والنقاش العام.
تشريع واسع… وتأويل أوسع
تؤكد الشبكة أن مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية الأمن الرقمي هدف مشروع، لكنها ترى أن الإشكال يكمن في حدود التطبيق، حيث تتحول بعض المواد القانونية، وفق مراقبين، إلى أدوات يمكن أن تُستخدم لتقييد التعبير بدل تنظيمه.
وتشدد على ضرورة حصر التجريم ضمن نطاق دقيق وواضح، وضمان رقابة قضائية فعالة تمنع التوسع في استخدام القانون ضد الآراء أو النقد أو المحتوى الرقمي السلمي، في ظل غياب ضمانات كافية للشفافية القانونية والتناسب في العقوبات.
قضية فردية تعيد فتح ملف واسع
أعادت قضية توقيف الناشط وصانع المحتوى حسان عقاد في دمشق، على خلفية شكوى تتعلق بالذم والقدح عبر الإنترنت، ثم الإفراج عنه لاحقاً بعد سحب الشكوى، فتح النقاش مجدداً حول حدود تطبيق القانون.
ورغم أن القضية انتهت قضائياً، فإن تداعياتها السياسية والحقوقية بقيت مفتوحة، إذ تراها منظمات حقوقية مثالاً على هشاشة الحدود بين النقد العام والجرائم المعلوماتية، في ظل غياب تعريفات دقيقة تفصل بينهما.
غموض تشريعي يوسع دائرة القلق
تشير الشبكة إلى أن عدداً من مواد القانون تتضمن، وفق دراسات سابقة، مصطلحات فضفاضة تفتقر إلى الدقة القانونية، ما يخلق مساحة واسعة للتأويل، ويجعل من الصعب على الأفراد التنبؤ بما يمكن أن يُعتبر جريمة رقمية.
هذا الغموض، بحسب حقوقيين، لا يقتصر على الجانب النظري، بل ينعكس عملياً في خلق مناخ من الحذر لدى المستخدمين والناشطين، حيث يتحول التعبير الإلكتروني إلى مساحة مراقبة ذاتية أكثر من كونه فضاءً عاماً مفتوحاً للنقاش.
مراجعات حكومية… دون نتائج حاسمة
وزارة العدل السورية تؤكد من جانبها أن قانون الجرائم الإلكترونية قيد المراجعة ضمن مسار إصلاحي أوسع للتشريعات، مع استمرار العمل بالقوانين النافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق الأصول الدستورية.
كما أعلنت تشكيل لجان قانونية وفنية لإعادة دراسة القانون بمشاركة وزارات متعددة، بهدف الوصول إلى صيغة “متوازنة” بين حماية الأمن الرقمي وضمان الحقوق والحريات.
لكن هذه التعهدات، وفق مراقبين، ما تزال في إطار النقاش المؤسسي المفتوح، دون مؤشرات واضحة على تغييرات جوهرية في بنية القانون أو آليات تطبيقه.
حرية رقمية تحت الاختبار
في خلفية هذا الجدل، تتزايد القضايا المرتبطة بالمحتوى الرقمي، مع تسجيل حالات استدعاء أو توقيف لناشطين وصناع محتوى على خلفية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يثير مخاوف من توسع تدريجي في استخدام القانون خارج نطاقه التقني الضيق.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية التزامها بالقانون والإجراءات القضائية، يرى حقوقيون أن التجربة العملية تشير إلى فجوة متزايدة بين النصوص القانونية وضمانات حرية التعبير.
بين الأمن الرقمي وحرية التعبير… ميزان غير مستقر
تضع هذه التطورات قانون الجرائم الإلكترونية في قلب معادلة شديدة الحساسية: حماية الفضاء الرقمي من الانتهاكات من جهة، وعدم تحويله إلى مساحة مقيّدة للنقاش العام من جهة أخرى.
لكن في ظل استمرار الغموض التشريعي وتعدد التأويلات وتوسع التطبيق، يبقى الفضاء الرقمي في سوريا أقرب إلى منطقة رمادية، تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين الجريمة والتعبير، وبين التنظيم والمساءلة، لصالح مناخ من القلق الحقوقي المتصاعد.
اقرأ أيضاً: قانون الجرائم الإلكترونية في سوريا: أداة لتقييد حرية التعبير وتهديد الصحفيين