سوريا تتجه لتأسيس “هيئة للدواء” وسط وعود بالتنظيم… وقطاع صحي يترنح تحت ضغط الواقع
تتحرك وزارة الصحة السورية نحو إنشاء “هيئة للدواء” على غرار نماذج إقليمية مثل الهيئة الأردنية للدواء والغذاء، في خطوة تُقدَّم بوصفها محاولة لإعادة ضبط قطاع دوائي يعاني من فوضى مزمنة وضعف رقابي وتحديات تتعلق بالجودة والتوفر والتسعير.
وبحسب المشرف العام على مديريات الدواء في الوزارة، هاني بغدادي، فإن المشروع يهدف إلى وضع إطار تنظيمي منسجم مع معايير منظمة الصحة العالمية، مع خطط لفتح باب التعاون والدعم خلال شهر أيلول المقبل عبر اتفاقيات مع جهات خارجية للمساعدة في التأسيس.
ورغم الطابع الفني للمشروع، إلا أن تفاصيله تعكس واقعاً أعمق لقطاع صحي يواجه اختلالات بنيوية، تتراوح بين ضعف البنية الرقابية وتفاوت جودة الأدوية، وصولاً إلى إشكاليات الإمداد وسلاسل التوريد.
تعاون مع الأردن… ونقل خبرات تحت الاختبار
جاء الإعلان عن الهيئة بالتزامن مع زيارة وفد صحي أردني إلى دمشق، ناقش ملفات متعددة بينها تسجيل الأدوية، ومراقبة الجودة، ومخابر التحليل، إضافة إلى إمكانية تبادل المنتجات الدوائية بين البلدين.
وتركز النقاش، بحسب تصريحات رسمية، على الاستفادة من التجربة الأردنية في التنظيم الدوائي والتخطيط الصحي، إلى جانب بحث إمكانية تصدير الأدوية السورية إلى الأردن واستيراد أدوية أردنية.
كما شملت الزيارة جولات ميدانية على منشآت دوائية داخل سوريا، في إطار ما وصف بأنه “استكشاف للواقع الصناعي”، دون أن تتضح حتى الآن ملامح شراكة عملية قابلة للتطبيق على المدى القريب.
قطاع دوائي بين التنظيم والاختناق
ورغم الحديث عن “إصلاح مؤسسي”، لا تزال المنظومة الدوائية في سوريا تعاني من تحديات متراكمة تشمل تفاوت الرقابة، وصعوبات في الاستيراد، وضغوطاً على الإنتاج المحلي، إضافة إلى فجوات في الإمداد الدوائي في عدد من المناطق.
ويقول مراقبون إن إنشاء هيئة جديدة قد يعكس اعترافاً ضمنياً بحجم الفجوة القائمة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً حول قدرة المؤسسات الجديدة على العمل في بيئة اقتصادية وإدارية مثقلة بالأزمات.
رهان على الدعم الخارجي
الوزارة تعوّل على دعم خارجي خلال المرحلة المقبلة لتأسيس الهيئة، في وقت ترتبط فيه خطط الإصلاح الصحي بشكل متزايد بشراكات إقليمية ودولية، تشمل التدريب، ونقل الخبرات، وتطوير أنظمة الرقابة.
لكن هذا المسار، رغم طابعه التقني، يبقى مرهوناً بقدرة القطاع الصحي على تجاوز مشكلاته البنيوية، من نقص التمويل وضعف البنية التحتية، إلى تحديات الحوكمة والشفافية.
إصلاح مؤجل في قطاع مثقل بالأزمات
في المحصلة، يعكس ملف “هيئة الدواء” محاولة لإعادة هندسة قطاع حيوي، لكن ضمن سياق عام لا يزال يعاني من اختلالات واسعة.
وبين طموح التنظيم ومعطيات الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان المشروع خطوة إصلاحية فعلية، أم إضافة جديدة إلى قائمة طويلة من المبادرات التي تصطدم بثقل الواقع أكثر مما تغيّره.