اضطراب مضيق هرمز ينعكس على الاقتصاد السوري بشكل غير مباشر ومحدود
يرتبط التوتر الجيوسياسي المتصاعد حول مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية العالمية لمرور النفط والغاز، بانعكاسات تتجاوز الأسواق الدولية لتصل بشكل غير مباشر إلى اقتصادات هشة مثل الاقتصاد السوري، الذي يعاني أساساً من تداعيات الحرب والعقوبات وتدهور سعر الصرف وضعف البنية التحتية.
وفي ظل التهديدات والتصعيد المرتبط بالمضيق، وما يرافقه من تقلبات في أسواق الطاقة العالمية، يطرح الشارع السوري تساؤلات حول إمكانية أن ينعكس أي استقرار محتمل هناك على أسعار المحروقات والمواد الغذائية وأجور النقل داخل البلاد، أو ما إذا كانت تعقيدات الواقع الاقتصادي المحلي ستحدّ من أي تأثير إيجابي محتمل.
اقتصاد معزول واستجابة محدودة للتغيرات العالمية
يرى خبراء اقتصاديون أن الاقتصاد السوري لا يتفاعل مع المتغيرات الخارجية بنفس طريقة الاقتصادات المفتوحة، إذ تمر عمليات الاستيراد عبر مسارات معقدة تتضمن وسطاء وسلاسل توريد غير مباشرة، إضافة إلى تأثير عوامل داخلية أكثر عمقاً مثل تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل والتمويل وتراجع الإنتاج المحلي.
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال إلى أن التوترات في منطقة الخليج تنعكس سريعاً على أسعار النفط عالمياً نتيجة مخاوف الأسواق من تعطل الإمدادات، موضحاً أن سعر البرميل خلال فترات التصعيد حول هرمز تراوح بين 95 و105 دولارات، في حين يعود إلى نطاق 70 و85 دولاراً عند تراجع التوتر، وهو فارق يبلغ نحو 20 دولاراً للبرميل وله تأثير مباشر على كلف النقل والطاقة والتأمين عالمياً.
تكاليف الشحن والتأمين تحت تأثير التوترات
يوضح رحال أن ارتفاع المخاطر في الممرات البحرية يؤدي إلى زيادة واضحة في تكاليف الشحن والتأمين البحري، حيث قد ترتفع رسوم التأمين على السفن وناقلات النفط بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمئة خلال فترات التوتر، قبل أن تعود إلى مستوياتها الطبيعية عند استقرار الأوضاع.
كما ترتفع كلفة نقل الحاويات لتتجاوز 3000 إلى 4000 دولار في أوقات الاضطراب، بينما تنخفض إلى ما بين 1500 و2500 دولار عند استقرار الملاحة البحرية، وهو ما ينعكس تدريجياً على كلفة السلع المستوردة في الأسواق النهائية.
لكن في الحالة السورية، تبقى هذه الانعكاسات غير مباشرة وضعيفة التأثير، بسبب اعتماد البلاد على مسارات استيراد غير مستقرة وغير مباشرة، إضافة إلى تعدد الوسطاء وغياب القنوات التجارية المفتوحة.
المحروقات والكهرباء وتأثير محدود داخل السوق المحلية
يشير رحال إلى أن أي انخفاض في أسعار النفط عالمياً لا ينعكس داخل السوق السورية بنفس النسبة، بل يظهر غالباً على شكل استقرار نسبي في أسعار البنزين والمازوت أو تحسن محدود في توافر المشتقات النفطية دون حدوث انفراج حقيقي في الأسعار.
وفي قطاع الكهرباء، تعتمد محطات التوليد بشكل أساسي على الوقود، وبالتالي فإن انخفاض أسعاره عالمياً يخفف الأعباء المالية، لكنه لا يؤدي إلى تحسن كبير في ساعات التغذية بسبب مشكلات البنية التحتية والتمويل والصيانة وصعوبة تأمين المستلزمات التشغيلية.
وقد ينعكس هذا التحسن بشكل محدود قد لا يتجاوز ساعة أو ساعتين إضافيتين في التغذية الكهربائية، وهو ما يبقى غير كافٍ لمعالجة الأزمة.
قطاع النقل والغذاء وسعر الصرف
في قطاع النقل، يوضح رحال أن انخفاض أسعار الوقود ينعكس نظرياً على تكاليف النقل، إلا أن الواقع يفرض عوامل أخرى مثل الصيانة وقطع الغيار وسعر الصرف ورسوم التشغيل وتعدد حلقات الوساطة، ما يجعل التراجع الفعلي في الأجور محدوداً بين 5 و10 بالمئة فقط.
أما في ملف الغذاء، فإن انخفاض أسعار النفط عالمياً قد يساهم في تخفيف كلفة الإنتاج والنقل والشحن، ما ينعكس على الأسعار العالمية لبعض السلع الأساسية مثل القمح والزيوت والسكر بنسبة تتراوح بين 5 و10 بالمئة.
لكن داخل سوريا، يتلاشى هذا الأثر نتيجة تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد وضعف القدرة الشرائية، حيث لا يظهر الانخفاض بشكل مباشر على الأسعار بل ينعكس غالباً على تباطؤ وتيرة ارتفاعها.
أثر غير مباشر على سعر الصرف والقطاع الصناعي
بحسب رحال، فإن انخفاض أسعار الطاقة قد يخفف الضغط على سعر الصرف بشكل مؤقت، نتيجة تراجع فاتورة الاستيراد وانخفاض الطلب على الدولار في بعض القطاعات، ما يمنح السوق حالة من الاستقرار النسبي.
إلا أن هذا الأثر يبقى هشاً، إذ يعتمد سعر الصرف بشكل أساسي على عوامل داخلية مثل الإنتاج المحلي والسياسات النقدية وحجم السيولة وثقة السوق.
وفي القطاع الصناعي، قد يؤدي انخفاض تكاليف الطاقة والنقل إلى تحسين نسبي في هوامش الربح وزيادة النشاط، لكنه يبقى محدوداً بسبب استمرار مشكلات الكهرباء والوقود والتمويل.
العامل النفسي في الاقتصاد
يلعب العامل النفسي دوراً مهماً في الاقتصاد السوري، حيث يمكن لتراجع التوترات أو استقرار الملاحة أن يحدّ من موجات رفع الأسعار أو التخزين الاستباقي لدى التجار، وهو تأثير غير مباشر لكنه قد يكون أحياناً مؤثراً في السوق أكثر من التغيرات الرقمية الفعلية.
مفاوضات متعثرة وتصعيد مستمر
تستمر حالة عدم اليقين بشأن مستقبل مضيق هرمز في ظل تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد فشل محادثات إسلام آباد في التوصل إلى اتفاق ينهي التصعيد.
ووصف مسؤولون أميركيون وإيرانيون نتائج المحادثات بأنها سلبية، مع تباين في تحميل المسؤولية، بينما أشارت مصادر إيرانية إلى عدم نية الدخول في جولة تفاوض جديدة قبل التوصل إلى اتفاق تعتبره طهران مناسباً.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البحرية الأميركية ستبدأ إجراءات لمراقبة واعتراض السفن التي تعبر مضيق هرمز في إطار ما وصفه بمحاولة لمنع “الابتزاز البحري”، على حد تعبيره.
اقرأ أيضاً:سوريا بديلاً لـ مضيق هرمز.. تفاصيل الاتفاق النفطي الاستراتيجي مع العراق
اقرأ أيضاً:مفاوضات إسلام آباد: إيران تكشف كواليس جولة الـ 25 ساعة مع واشنطن ونقاط الخلاف العالقة