بين مطرقة الميدان وسندان السياسة: حرب لبنان 2026 وإعادة رسم التوازنات الإقليمية
بين مطرقة الميدان وسندان السياسة: حرب لبنان 2026 وإعادة رسم التوازنات الإقليمية
دخلت المواجهة العسكرية في لبنان منعطفاً حرجاً يمزج بين التصعيد الميداني العنيف والسباق الدبلوماسي المحموم. ومع استمرار العمليات العسكرية على الحدود الجنوبية، يبدو أن الصراع لم يعد مجرد تبادل للنيران، بل أضحى أداة ضغط استراتيجية لصياغة واقع سياسي وأمني جديد يتجاوز الجغرافيا اللبنانية إلى عمق التوازنات في الشرق الأوسط.
الواقع الميداني: استنزاف متبادل ومعادلات الردع
على الصعيد العسكري، تشهد الجبهة الجنوبية تحولات نوعية في وتيرة الاشتباكات. فبينما تسعى القوات الإسرائيلية إلى فرض “منطقة عازلة” عبر عمليات برية وقصف جوي مركز، يواصل حزب الله استخدام ترسانته الصاروخية وسلاح المسيرات لضرب العمق، مؤكداً على معادلة “الألم المتبادل”.
- تكتيكات الأرض: تظهر المعطيات الميدانية اعتماد الحزب على دفاعات مرنة تعيق التقدم البري، مما حول القرى الحدودية إلى ساحة استنزاف مكلفة للطرفين.
- العمق الاستراتيجي: تجاوز الاستهداف العسكري الخطوط الحمر التقليدية، ليشمل مراكز حيوية وبنى تحتية، مما يرفع من تكلفة الحرب البشرية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
المسار السياسي: مفاوضات تحت النار
بالتوازي مع دوي الانفجارات، تتحرك الماكينة الدبلوماسية الدولية بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا لمحاولة اجتراح حل يوقف الانهيار الشامل. تتركز الجهود حالياً حول “تطوير” القرار الأممي 1701 ليشمل آليات تنفيذية أكثر صرامة.
- شروط التفاوض: تصر بيروت على وقف فوري لإطلاق النار والالتزام بالقرار 1701 دون تعديلات تمس السيادة، بينما يطالب الجانب الإسرائيلي بضمانات أمنية تمنع أي وجود عسكري للحزب جنوب نهر الليطاني.
- الدور الإقليمي: تلعب القوى الإقليمية، لا سيما إيران والدول العربية الفاعلة، دوراً محورياً في توجيه بوصلة التفاوض، حيث ترتبط التهدئة في لبنان بملفات شائكة أخرى في المنطقة.
الداخل اللبناني: أزمة النزوح وضغوط الاستقرار
لا يمكن فصل الميدان والسياسة عن الواقع الاجتماعي المأزوم؛ حيث يضغط ملف النازحين (الذي قارب المليون) على الحكومة اللبنانية والقوى السياسية الداخلية. هذا الضغط الشعبي بات يشكل ورقة سياسية تُستخدم للتعجيل بالوصول إلى تسوية تحمي ما تبقى من بنية الدولة اللبنانية المتداعية.
آفاق المرحلة: هل تسبق الدبلوماسية الانفجار الكبير؟
يبقى السؤال الجوهري: هل تنجح الضغوط السياسية في لجم التصعيد الميداني قبل انزلاقه إلى حرب إقليمية شاملة؟ المؤشرات الحالية توحي بأننا أمام مرحلة “عض أصابع”، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه على الطاولة عبر المكاسب في الميدان.
إن ملامح المرحلة القادمة ستتحدد بناءً على قدرة الوسطاء الدوليين على إيجاد “صيغة وسطية” تضمن الأمن للحدود الشمالية لإسرائيل، وتكفل للبنان سيادته واستقراره السياسي، في ظل مشهد إقليمي متفجر لا يحتمل المزيد من المغامرات العسكرية.
إن التداخل العضوي بين البعدين الميداني والسياسي في لبنان يجعل من الحل العسكري وحده أمراً متعذراً، ومن الحل السياسي دون إنجاز ميداني أمراً هشاً، مما يضع البلاد أمام مخاض عسير لولادة واقع جديد. ورغم الكثير من اتلسريبات والإشاعات، إلا موقف حزب الله من المبادرات السياسية ومقترحات التفاوض ما تزال سلبية، ويرى أن الأوضاع والظروف لما تنضج بعد، ويعتقد أن الأولوية للميدان وليس لطاولة التفاوض.