تقرير صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد السوري يثير جدلاً حول “التعافي” والفائض المالي
أثار البيان الأولي الصادر عن بعثة صندوق النقد الدولي عقب زيارتها إلى دمشق خلال الفترة بين 15 و19 شباط/فبراير، نقاشاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية السورية، وسط انقسام بين من يراه مؤشراً على تحسن تدريجي في أداء الاقتصاد، ومن يعتبره قراءة رقمية لا تعكس واقع المعيشة الصعب، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.
مؤشرات رسمية تتحدث عن تحسن الاقتصاد السوري:
وفق المعطيات التي استندت إليها البعثة، شهد الاقتصاد السوري خلال الأشهر الأخيرة تحسناً نسبياً تمثل في:
1- ارتفاع ثقة المستهلكين والمستثمرين
2- زيادة تدفق عودة اللاجئين
3- تحسن إمدادات الكهرباء
4- موسم مطري أفضل من السنوات السابقة
5- تغيرات تدريجية في الموقف الإقليمي تجاه سوريا
وأشار التقرير إلى أن الموازنة العامة أنهت عام 2025 بفائض مالي طفيف، في تطور لافت بعد سنوات طويلة من العجز المزمن، وهو ما اعتُبر مؤشراً إيجابياً على ضبط المالية العامة.
فائض مالي 2025… انتعاش اقتصادي أم سياسة تقشف؟
في المقابل، يرى خبراء اقتصاديون أن الفائض المالي لا يعكس نمواً حقيقياً في الإنتاج أو توسعاً في القاعدة الاقتصادية، بل هو نتيجة سياسة تقشف صارمة اعتمدتها الحكومة، تضمنت:
1- تقليص الإنفاق العام والاستثماري
2- الامتناع عن تمويل العجز عبر المصرف المركزي
3- تشديد السياسة النقدية وحبس السيولة للحد من تراجع سعر الصرف
ويحذر باحثون من أن تراكم فوائض مالية بالليرة السورية قد يكون “فائضاً اسمياً” غير قابل للتوظيف الفعلي، لأن ضخ هذه الأموال في السوق قد يؤدي إلى تدهور قيمة العملة الوطنية، في اقتصاد يعاني ازدواجية نقدية واختلالات هيكلية عميقة.
مقارنة مع التجربة اللبنانية:
في سياق التحذير، استحضر بعض المحللين تجربة لبنان، حيث تراكمت فوائض محلية دون قدرة حقيقية على استخدامها نتيجة سياسات تقييد السيولة، مع فارق أن لبنان بقي مندمجاً نسبياً في النظام المالي العالمي، بينما لا يزال الاقتصاد السوري يواجه عزلة مالية وعقوبات خارجية.
طبيعة تقرير المادة الرابعة:
يشير مختصون إلى أن ما صدر عن صندوق النقد يندرج ضمن تقارير “المادة الرابعة”، وهي تقارير فنية يعدّها خبراء الصندوق بعد زيارات تشاورية، وتعكس تقييم الفريق الفني، ولا تمثل قراراً تنفيذياً ملزماً من مجلس إدارة الصندوق.
ويرى منتقدون أن التقرير ركز بدرجة كبيرة على البيانات الحكومية الرسمية، دون تقديم تحليل كافٍ للفجوة بين المؤشرات المحاسبية والواقع المعيشي، حيث تتراجع القدرة الشرائية وترتفع معدلات البطالة والفقر.
توقعات الحكومة السورية لعام 2026
من جانبها، أعلنت الحكومة السورية إعداد موازنة 2026 مع زيادة الإنفاق على:
1- قطاعي الصحة والتعليم
2- إعادة تأهيل البنية التحتية
3- تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي
كما تتوقع الحكومة أن يصل النمو الاقتصادي إلى نحو 10% خلال العام الجاري، خاصة في حال تحسن البيئة الإقليمية ورفع بعض العقوبات، ما قد يفتح المجال أمام تدفقات مالية واستثمارات جديدة.
بين التعافي الدفتري والواقع المعيشي:
رغم الرسائل الرسمية المطمئنة التي تحدثت عن “تعافٍ اقتصادي منظم”، يشدد خبراء على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق فائض مالي اسمي، بل في:
1- تحسين مستوى الدخل الحقيقي
2- رفع القدرة الشرائية
3- خلق فرص عمل منتجة
4- معالجة اختلالات الدين العام
5- تأمين مصادر تمويل خارجية مستقرة
ويخلص محللون إلى أن ما تحقق حتى الآن يمكن وصفه بـ”تعافٍ دفتري”، يعكس انضباطاً مالياً ونقدياً أكثر مما يعكس انتعاشاً فعلياً في النشاط الإنتاجي، في وقت يتحمل فيه المواطن عبء السياسات التقشفية للحفاظ على استقرار سعر الصرف.
إقرأ أيضاً: غلاء اللحوم يغيبها عن موائد السوريين في رمضان
إقرأ أيضاً:أزمة الأسعار في سوريا مع حلول رمضان: ارتفاع أسعار الخضار والفواكه يفاقم معاناة المواطنين