تصريحات حسن الدغيم حول تعيين الأقارب في المناصب: جدل جديد حول مفهوم “الدولة – المزرعة”

داما بوست -خاص

في تصريحات أثارت جدلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، دافع حسن الدغيم، “الباحث السياسي” وعضو اللجنة العليا للانتخابات، والمقرب من دوائر الحكم في سوريا، عن تعيين الأقارب في المناصب، مؤكدًا أن هذا الأمر ليس محظورًا في الأنظمة الديمقراطية الغربية، كما أن “المرحلة الانتقالية في سوريا تتطلب أشخاصًا يمكن الوثوق بهم في الملفات الحساسة”. وفيما بدا أنه دفاع عن النظام السوري وممارساته، وصف الدغيم فكرة تعيين الأقارب بأنها “قشور”، متناسيًا ما يترتب عليها من تأثيرات سلبية على المؤسسات السورية.

التصريحات تثير موجة من الانتقادات:

أثارت هذه التصريحات ردود فعل قوية من مختلف شرائح المجتمع السوري، حيث اعتبرت الناشطة هدى أبو نبوت أن ما يقوله الدغيم هو “إهانة للشعب السوري”، واعتبرت أن الشعب السوري لا يحتاج إلى نظام يحكمه أفراد عائلة واحدة، بل يحتاج إلى نظام يرتكز على الكفاءة وليس المحسوبية. وأضافت متسائلة: “أنت خليت شعب نحن تجاوزنا الخيبة إلى ما بعد الصفاقة”، في إشارة إلى أسلوب الحكم الذي يعتمد على المحسوبية والعلاقات العائلية.


من جهة أخرى، انتقد الصحفي خالد وليد سرحان تصريحات الدغيم بشدة، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست فقط في حازم وماهر وجمال الشرع الذين تزعّموا المؤسسات الحكومية السورية، “بل المشكلة بأحمد الشرع نفسه وهيئة تحرير الشام الي ضحكت عليك وعلى أمثالك وعاملة حالها تقريباً دولة”، وفقًا له. وتابع سرحان: “الدولة تبعك انقعها واشرب ميتها”، مُتّهمًا النظام بالهيمنة على البلاد من خلال فرض سطوة عائلية لا تعكس مصلحة الشعب السوري.


تحليل التصريحات:

إن تعيين الأقارب في المناصب من قبل أي حكومة أو نظام سياسي يعتبر أحد أشكال المحسوبية التي تضر بالنظام الإداري للمؤسسات. وفي الدول الديمقراطية، كما ذكر الدغيم، قد يُسمح بتعيين الأقارب في بعض المناصب ولكن بناءً على الكفاءة والاختيار المناسب، وهو أمر غير موجود في النظام السوري حيث يتم تمرير المناصب على أساس الروابط العائلية وليس الخبرة أو الكفاءة.

النقد الموجه لهذا النهج يشير إلى أن الاعتماد على المحسوبية بدلاً من المؤسسات القوية يؤثر سلبًا على شفافية العمل الحكومي والثقة في المؤسسات. في سوريا، أصبح تعيين الأقارب في المناصب ليس مجرد حالة استثنائية بل قانون غير مكتوب حيث شغل العديد من الشخصيات البارزة في النظام السوري الحالي مواقع قيادية لمجرد قربهم من العائلة الحاكمة، وهو ما أدى إلى تفشي الفساد وعدم وجود معايير حقيقية لاختيار الكوادر القيادية.

السياق السوري:

عند النظر في التاريخ السياسي السوري منذ 2011، نجد أن الاحتجاجات الشعبية قد نشأت نتيجة لما اعتُبر من قِبَل الشعب السوري فسادًا حكوميًا طويل الأمد، يعتمد على علاقات المحسوبية وتوزيع المناصب بناءً على الولاء الشخصي للعائلة الحاكمة وليس على الكفاءة أو الاحتياجات الوطنية. وقد أسهم هذا النهج في تآكل الثقة بين الشعب والدولة، مما جعل “الثورة” السورية أكثر من مجرد احتجاج ضد النظام؛ بل كانت “ثورة” ضد العقلية التي تعتمد على “الدولة – المزرعة”، أي أن الدولة تدار كما لو كانت ملكية عائلية.

المقارنة مع الأنظمة الملكية:

من خلال دفاعه عن أنظمة المحسوبية العائلية، حاول الدغيم مقارنة الوضع السوري ببعض الدول العربية التي تحكمها الأنظمة الملكية أو العائلية، مثل السعودية، الإمارات، قطر، والكويت. وقال: “إذا أراد الشعب السوري أن يصبح نظامًا ملكيًا، فأهلا به”. ورغم أن هذه الأنظمة قد تبدو مشابهة من حيث هيمنة الأسرة الحاكمة على مقاليد الأمور، إلا أن النقد هنا يكمن في الفرق بين الحكم الملكي والجمهوري.

الصحفي حازم داكل انتقد هذا المنطق، مشيرًا إلى أن نظام الأسد كان دائمًا يعتبر الشعب مجرد تابع، وأن الثورة لم تكن فقط لتغيير الأشخاص، بل لتغيير العقلية التي تسيطر على الدولة وتعيد صياغة مؤسساتها بشكل عادل وشفاف.

الانعكاسات على المجتمع السوري:

بينما تتراكم التحديات الاقتصادية والسياسية في سوريا، يزداد القلق من أن المحسوبية قد تؤدي إلى تكرار نفس الأخطاء التي أسهمت في اندلاع الثورة في المقام الأول. التغيير المطلوب لا يتعلق فقط بالتحول إلى نظام ملكي أو عائلي، بل في إعادة بناء المؤسسات بحيث تقوم على الكفاءة، الشفافية و العدالة بدلاً من التحاصص العائلي.

المشكلة الكبرى تكمن في أن هذا النهج قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على بناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية التي ستواجهها سوريا بعد سنوات من الحرب والدمار.

تحديات بناء دولة المؤسسات:

الصحفية يمان عموري أكدت على أن ما يطرحه الدغيم هو “تقوية” للعقلية التي أوصلت سوريا إلى ما هي عليه اليوم. إذ أن المؤسسات الحقيقية تتطلب العدالة و المساواة في الفرص، و عدم تفضيل الأقارب على حساب المؤهلين. وتساءلت: “كيف يمكن بناء مؤسسات عدالة وكفاءة إذا كان معيار التعيين هو صلة الدم؟”.

تظل القضية الجوهرية هي كيفية إعادة إرساء دولة المؤسسات في سوريا، وليس مجرد استبدال الأشخاص، بل تغيير العقلية التي تدير البلاد لتكون قادرة على تقديم الخدمات الأساسية وحماية حقوق المواطنين.

تصريحات حسن الدغيم المقرب من دوائر الحكم في سوريا حول تعيين الأقارب في المناصب تفتح الباب لمناقشة أزمة المحسوبية التي يعاني منها النظام السوري. في وقت يطالب فيه الشعب السوري بإنشاء دولة مؤسسات حقيقية، يبدو أن هذا المفهوم لا يزال بعيد المنال، حيث أن الاستبداد العائلي يظل العامل الرئيسي في إدارة البلاد. وبينما يزداد الحديث عن المرحلة الانتقالية في سوريا، يبقى السؤال: هل سيتمكن السوريون من بناء دولة قائمة على العدالة والكفاءة أم سيستمرون في مواجهة دولة – المزرعة تحت هيمنة العائلات الحاكمة؟

إقرأ أيضاً: رأفت حسن… شقيق وزير الخارجية في واجهة الإعلان ومخاوف متصاعدة من “حكم العائلة” في سوريا

إقرأ أيضاً: مرسوم العفو العام رقم 39 في سوريا يثير جدلاً دستورياً وحقوقياً واسعاً

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.