ضبط الإنفاق في سوريا يضيّق هامش الحكومة.. أين تقع كلفة التقشف؟
تدخل الحكومة السورية مرحلة أكثر تشدداً في إدارة الإنفاق العام، مع توجيهات رئاسية إلى الوزارات والمؤسسات الحكومية لمراجعة المصروفات وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، في محاولة للحد من عجز الموازنة والحفاظ على الموارد المتاحة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطاً متزايدة، مع ارتفاع كلفة الطاقة والسلع الأساسية وتراكم الالتزامات الجارية، بينما تقول الحكومة إن الرواتب والأجور وقطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية الأساسية لن تكون ضمن بنود الخفض.
لكن الإجراءات تفتح في المقابل نقاشاً حول حدود قدرة الدولة على تقليص الإنفاق من دون التأثير في النشاط الاقتصادي والخدمات العامة، ولا سيما في ظل ضعف القدرة الشرائية للأسر وارتفاع الاحتياجات الاجتماعية والاستثمارية.
عجز يقارب مليار دولار خلال نصف عام
تستند إجراءات ضبط الإنفاق إلى وضع مالي ضاغط، إذ تشير البيانات الواردة في المادة الحكومية إلى تسجيل عجز يقارب مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما بلغت الإيرادات العامة نحو 2.7 مليار دولار مقابل نفقات تجاوزت 3.7 مليار دولار.
وتراهن وزارة المالية على تحسن التحصيل الضريبي وزيادة الإيرادات خلال النصف الثاني من العام لتقليص الفجوة، إلا أن بنية الإنفاق لا تزال تتضمن التزامات جارية كبيرة، بينها الزيادات الاسمية السابقة في الأجور وارتفاع تكاليف تأمين السلع الأساسية والمشتقات النفطية.
وتُقدّر موازنة العام الحالي إجمالي الإنفاق بنحو 10.5 مليار دولار، مقابل إيرادات متوقعة عند حدود 8.7 مليار دولار، بما يضع العجز عند نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق الأرقام الواردة في المادة.
ويُقدّر حجم الاقتصاد السوري بنحو 33.7 مليار دولار، فيما تستحوذ النفقات الجارية على نحو 60% من إجمالي المخصصات، مقابل 27% للإنفاق الاستثماري الرأسمالي و13% للدعم والضمان الاجتماعي.
وعلى جانب الإيرادات، تعتمد الخزينة بنسبة تقارب النصف على الضرائب والرسوم غير المباشرة، فيما تمثل الموارد النفطية نحو 28%، وتتوزع النسبة المتبقية على مصادر تمويلية أخرى.
وتنسجم الحاجة إلى تحسين إدارة المالية العامة مع تقييمات دولية حديثة؛ فقد قال صندوق النقد الدولي في آب/أغسطس 2026 إن القيود على الموارد تجعل احتواء الإنفاق الرأسمالي أمراً متوقعاً، ودعا في الوقت نفسه إلى مواصلة ضبط الإنفاق الجاري وتحسين تعبئة الإيرادات لإيجاد مساحة أكبر للإنفاق التنموي وشبكات الحماية الاجتماعية.
مراجعة المشاريع الاستثمارية
مع ضيق الموارد، تتجه الحكومة إلى إعادة ترتيب المشاريع العامة بدلاً من التعامل معها باعتبارها متساوية في الأولوية.
وبموجب التوجيهات الرئاسية، طُلب من الهيئات العامة إعادة النظر في خططها الاستثمارية وفق مجموعة من المعايير، تشمل مستوى الإنجاز الفعلي، والجدوى التشغيلية المباشرة، والأثر التنموي للمشروع.
وتتقدم، وفق هذه المعايير، أعمال إعادة تأهيل الشبكات الحيوية والصيانة الضرورية، بينما يمكن تأجيل المشاريع التي لا تُعد ملحّة في المرحلة الحالية.
ولم تتضمن التوجيهات، وفق المعطيات الواردة في المادة، إعلاناً عن إلغاء مشاريع كبرى بعينها، وإنما اعتمدت آلية للمفاضلة بين المشاريع. إلا أن تقليص الإنفاق الاستثماري قد ينعكس على خطط سبق للحكومة أن أعلنت تخصيص نحو 3 مليارات دولار لها بهدف دعم البنية التحتية في المحافظات والأرياف.
كما يطرح ذلك أسئلة بشأن المشاريع التي تعتمد على تمويلات خارجية أو شراكات استثمارية، بما فيها مشروعات عقارية كبيرة مثل “دمشق الجديدة”، إضافة إلى مبادرات البنية التحتية الرقمية التي تقدر احتياجاتها بمليارات الدولارات.
وفي المقابل، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن تنفيذ معظم الإنفاق المدرج في موازنة 2026 يظل ممكناً في ضوء زيادة الإيرادات، لكنه يتوقع استمرار الحاجة إلى احتواء الإنفاق الرأسمالي بسبب محدودية الموارد.
محمد علبي: خفض الإنفاق لا يخلق موارد جديدة
ويرى الباحث الاقتصادي محمد علبي أن ترشيد الإنفاق العام لا يعالج بمفرده أصل المشكلة المالية، معتبراً أن التحدي الأساسي يتعلق بقدرة الدولة على توليد تدفقات نقدية مستمرة تغطي التزاماتها الجارية.
وقال علبي، في منشور عبر “فيسبوك”، إن تقليص الإنفاق الإداري والاستثماري قد يسمح للحكومة مؤقتاً بتوجيه جزء من السيولة نحو الرواتب والأجور، لكنه لا يؤدي إلى توليد موارد جديدة، بل يعيد توزيع الأموال المتاحة بين بنود الموازنة.
وبحسب تحليله، لا تكمن المشكلة فقط في حجم العجز البالغ نحو مليار دولار خلال نصف عام، وإنما أيضاً في طبيعة الإيرادات ومصادرها، محذراً من أن زيادة الأعباء الضريبية والرسوم على المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، قد تزيد الضغط على قدرتهم الشرائية.
ويربط علبي بين القدرة الشرائية والنشاط الاقتصادي، معتبراً أن تراجع إنفاق الأسر يضغط على الطلب المحلي ويضعف قدرة القطاعات التجارية والصناعية على التعافي.
كما يحذر من أن تراجع الإنفاق الحكومي والمشتريات العامة قد يفاقم حالة الركود، في ظل اعتمادهما، بحسب تقديره، على دور كبير في توفير السيولة داخل الدورة الاقتصادية المحلية.
هل تكفي حماية الرواتب والخدمات الأساسية؟
تشمل التوجيهات الحكومية استثناء الرواتب والأجور ونفقات الصحة والتعليم والمياه والطاقة من إجراءات الخفض، وفق ما ورد في المادة.
لكن علبي يرى أن حماية هذه البنود خلال فترة قصيرة لا تكفي لضمان استدامة المالية العامة، إذا لم تتمكن الدولة في الوقت نفسه من بناء قاعدة إنتاجية توفر إيرادات مستقرة.
ويحذر من أن إجراءات التقشف الإداري والاستثماري قد توفر وفورات مؤقتة فقط، قبل أن تضيق مساحة المناورة أمام الحكومة وتصبح برامج الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية وكتلة الرواتب نفسها تحت ضغط أكبر.
وفي هذا السياق، يدعو علبي إلى تغيير أوسع في السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، إلى جانب إصلاح إدارة المؤسسات العامة وتعزيز الشفافية والمساءلة والاستعانة بكفاءات متخصصة ومستقلة.
كما يعتبر أن فتح الاقتصاد بصورة أوسع، والحد من احتكار الموارد والفرص من جانب شبكات المحاباة والزبائنية وأصحاب النفوذ، يمثلان جزءاً من معالجة الاختلالات التي تؤثر في كفاءة الاقتصاد.
ويدعو علبي السوريين إلى تنظيم مطالبهم والضغط سلمياً من أجل سياسات مالية أكثر عدالة، رافضاً أن تتحمل الشرائح محدودة الدخل وحدها تبعات العجز، ومطالباً في الوقت نفسه بالتعامل مع الوعود الحكومية على أساس بيانات قابلة للتحقق والرقابة.
مساحة مالية محدودة
لا تنفصل هذه الإجراءات عن ضعف الموارد العامة الذي وثقته مؤسسات دولية خلال الفترة الماضية.
فالبنك الدولي قال في آذار/مارس 2026، بالتزامن مع إقراره منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم إدارة المالية العامة في سوريا، إن الإيرادات الحكومية تراجعت من قرابة 20% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب إلى أقل من 5%، نتيجة تراجع عائدات النفط والضرائب وعوامل أخرى مرتبطة بالاقتصاد السوري خلال سنوات الصراع.
وتهدف المنحة إلى تحسين كفاءة وشفافية ومساءلة استخدام الأموال العامة، وتعزيز الرقابة على الموازنة والمشتريات الحكومية، إلى جانب دعم رقمنة أنظمة الإدارة المالية العامة.
كما شدد صندوق النقد الدولي في تقييمه الأخير لسوريا على أهمية تعزيز إدارة المالية العامة وتعبئة الإيرادات، مع إعطاء الأولوية للإنفاق الذي يتيح توسيع الحيز المالي المخصص للتنمية والحماية الاجتماعية.
فجوة بين الموازنة وكلفة إعادة الإعمار
تزداد صعوبة إدارة الموارد العامة عند مقارنتها بحجم الاحتياجات طويلة الأجل التي خلفتها سنوات الحرب.
فقدّر البنك الدولي في تقييم نشره في تشرين الأول/أكتوبر 2025 كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وشملت التقديرات 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية.
كما قدّر البنك الدولي الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، مشيراً إلى أن البنية التحتية كانت القطاع الأكثر تضرراً، بقيمة أضرار بلغت نحو 52 مليار دولار، تلتها المباني السكنية بـ33 مليار دولار والمنشآت غير السكنية بـ23 مليار دولار.
وتعني هذه الأرقام أن الموارد التي تديرها الموازنة العامة لا تقارن بحجم الاحتياجات المرتبطة بإعادة بناء الأصول والخدمات التي تضررت خلال الحرب.
وفي الوقت نفسه، يقدر البنك الدولي أن كلفة إعادة الإعمار البالغة 216 مليار دولار تعادل قرابة عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري المتوقع لعام 2024، ما يعكس حجم الفجوة التمويلية التي تواجه عملية التعافي.
بين ضبط الإنفاق والحفاظ على النشاط الاقتصادي
تضع هذه المعطيات الحكومة أمام معادلة صعبة: ضبط المصروفات بما يتناسب مع الإيرادات المتاحة، مع تجنب أن يؤدي خفض الاستثمار والإنفاق العام إلى إضعاف الخدمات أو الحد من النشاط الاقتصادي.
وتشير التقييمات الدولية إلى أن تحسين المالية العامة لا يرتبط بخفض الإنفاق وحده، بل أيضاً بزيادة الإيرادات وتحسين إدارة الأموال العامة ورفع كفاءة التحصيل والرقابة. وفي آب/أغسطس 2026، أكد صندوق النقد أن مواصلة الإصلاحات المالية وتحسين تعبئة الإيرادات تمثل عناصر أساسية لإيجاد مساحة للإنفاق التنموي وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
أما بالنسبة إلى المواطن، فتتوقف آثار سياسة ضبط الإنفاق على كيفية تنفيذها وما إذا كانت ستنجح في حماية الإنفاق الأساسي من جهة، وتوفير موارد جديدة من جهة أخرى. وفي حال اقتصرت المعالجة على تقليص المشاريع والمصروفات، فإن الوفر المالي المباشر قد يقابله ضغط على الاستثمار والخدمات والنشاط الاقتصادي، بينما يتطلب تخفيف هذا الضغط إصلاحاً أوسع في الإيرادات والإدارة المالية والقدرة الإنتاجية للاقتصاد.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز