ما الذي يحدد سعر الذهب في سوريا؟ ولماذا يختلف عن السعر العالمي؟
رغم أن أسعار الذهب العالمية تعد المؤشر الأساسي الذي يستند إليه كثيرون في توقع حركة المعدن الأصفر، فإن السوق السورية تسلك في كثير من الأحيان مساراً مختلفاً، إذ لا تنعكس التغيرات في أسعار الأونصة العالمية بصورة مباشرة على أسعار الذهب المحلية، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والنقدية التي تمنح السوق السورية خصوصية تختلف عن معظم الأسواق.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن ترتفع أسعار الذهب في سوريا مع صعود الأسعار العالمية، أو تنخفض مع تراجعها، تظهر السوق المحلية في أحيان كثيرة تحركات مغايرة، إذ قد ترتفع الأسعار رغم استقرار الذهب عالمياً، أو تنخفض بوتيرة أقل من التراجع المسجل في الأسواق الدولية.
سعر صرف الليرة.. العامل الأكثر تأثيراً
يرى خبراء اقتصاديون أن العامل الأكثر تأثيراً في تسعير الذهب داخل سوريا هو سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، وليس سعر الأونصة العالمية وحده.
ويشير أحد خبراء النقد إلى أن الذهب يُسعّر عالمياً بالدولار، ثم تُحوّل قيمته إلى الليرة السورية وفق سعر الصرف السائد، ما يعني أن أي تراجع في قيمة الليرة يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع أسعار الذهب محلياً حتى في حال بقيت الأسعار العالمية مستقرة.
وفي المقابل، قد يؤدي تحسن سعر صرف الليرة إلى انخفاض أسعار الذهب داخل سوريا، حتى إذا كانت الأونصة العالمية تشهد ارتفاعاً، وهو ما يجعل السوق المحلية أكثر ارتباطاً بحركة الدولار وسوق القطع الأجنبي من ارتباطها المباشر بالبورصات العالمية.
ويضيف أن السعر العالمي يبقى أحد عناصر احتساب سعر الذهب، لكنه ليس العامل الحاسم، إذ تتحكم مجموعة واسعة من المتغيرات المحلية في تحديد السعر النهائي للغرام داخل الأسواق السورية.
الذهب يتحول إلى وسيلة ادخار
إلى جانب تأثير سعر الصرف، لعب تراجع الثقة بالعملة المحلية دوراً رئيسياً في زيادة الطلب على الذهب خلال السنوات الماضية.
ويؤكد الخبير أن الذهب لم يعد بالنسبة لكثير من السوريين مجرد سلعة للزينة، بل أصبح وسيلة لحفظ القيمة في ظل التضخم المستمر وتراجع القوة الشرائية، الأمر الذي عزز الطلب المحلي حتى خلال الفترات التي تشهد فيها الأسواق العالمية استقراراً نسبياً.
وكان أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، قد أوضح في تصريحات سابقة أن ضعف القوة الشرائية وغياب الأدوات الاستثمارية الآمنة دفعا شريحة واسعة من السوريين إلى اقتناء الذهب باعتباره أحد أكثر الأصول قدرة على الحفاظ على القيمة، فضلاً عن سهولة تداوله مقارنة ببدائل استثمارية أخرى.
تعدد أسعار الصرف والمضاربة
ويشير خبراء إلى أن السوق السورية تتأثر أيضاً باستمرار الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية، وهي فجوة تفتح المجال أمام المضاربات اليومية التي تنعكس بشكل مباشر على أسعار الذهب.
فعلى خلاف الاقتصادات المستقرة التي تعتمد سعراً موحداً للعملة، تواجه السوق السورية تعدد أسعار الصرف، ما يجعل تسعير الذهب أكثر حساسية للتغيرات اليومية في سوق القطع الأجنبي.
كما أن العلاقة بين سعر الدولار والذهب داخل سوريا تكاد تكون طردية، إذ يؤدي ارتفاع الدولار في السوق الموازية غالباً إلى زيادة مماثلة في أسعار الذهب، وهو ما يفسر اختلاف منحنى الأسعار المحلية عن نظيره العالمي خلال فترات التقلبات النقدية.
صعوبات الاستيراد تزيد تكلفة الذهب
ولا تقتصر أسباب ارتفاع أسعار الذهب على سعر الصرف والطلب المحلي، إذ يواجه السوق أيضاً تحديات مرتبطة بمحدودية المعروض.
فارتفاع تكاليف الاستيراد والتمويل والنقل، إلى جانب الرسوم والضرائب المفروضة على الذهب الخام والمصنع، يزيد من التكلفة النهائية التي يتحملها المستهلك.
كما تسهم القيود المفروضة على التحويلات المالية والتجارة الخارجية في رفع تكلفة توفير الذهب داخل السوق المحلية مقارنة بالأسواق المفتوحة، لتصبح هذه الأعباء جزءاً دائماً من معادلة التسعير.
انعكاسات مباشرة على الأسر السورية
امتدت آثار ارتفاع أسعار الذهب إلى الحياة اليومية للسوريين، ولا سيما في المناسبات الاجتماعية، حيث أصبح شراء الذهب يشكل عبئاً مالياً متزايداً على كثير من الأسر.
ويؤكد عاملون في سوق الصاغة أن المبالغ التي كانت قبل سنوات تكفي لشراء عدة قطع ذهبية، لم تعد اليوم تكفي سوى لشراء خاتم أو قطعة صغيرة، الأمر الذي دفع العديد من العائلات إلى تخفيض قيمة “الشبكة” أو الاستغناء عنها بالكامل، أو الاتجاه نحو شراء أعيرة أقل سعراً لتخفيف الأعباء.
مرآة للوضع الاقتصادي
ويرى خبراء أن حركة الذهب في سوريا باتت تعكس بصورة كبيرة واقع الاقتصاد المحلي أكثر من ارتباطها المباشر بأسعار الأونصة العالمية، إذ تتحكم في تسعيره مجموعة من العوامل، أبرزها سعر صرف الليرة، ومستوى الثقة بالعملة المحلية، والطلب الداخلي، وفجوة أسعار الصرف، وصعوبات الاستيراد، وتكاليف التمويل والنقل.
وبناءً على ذلك، فإن متابعة أسعار الذهب العالمية وحدها لا تكفي لفهم حركة السوق السورية، لأن السعر المحلي أصبح انعكاساً لحالة الاقتصاد الوطني وتوازناته النقدية، بقدر ما هو مرتبط بالتغيرات التي تشهدها الأسواق الدولية.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز