هندسة المجتمع عبر حريات المرأة: متى تنتهي وصاية السلطة وتبدأ حقوق المواطنين؟

تتجسد هندسة المجتمعات إدارياً في كثير من الأحيان بعيداً عن التغييرات الدستورية أو التشريعات الكبرى، إذ تبدأ غالباً عبر تعميم بسيط، أو إعادة تعريف إداري لمفاهيم فضفاضة مثل “الاحتشام”، أو ترسيم تدريجي للحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض، مع مطالبة المجتمع بالاعتياد عليها خطوة بخطوة.

ومع كل قرار صادر عن دائرة حكومية في سوريا يهدف إلى تقييد حرية النساء أو تحديد نمط ظهورهن في المجال العام، تتكرر الذرائع ذاتها التي تدعي أن الوقت غير مناسب لمثل هذه النقاشات، وأن ثمة أزمات أكبر وتحديات أشد خطورة تواجِهُ بلداً يخرج من حرب مدمّرة ومثقل بالفقر والانقسام.

ورغم أن هذا الخطاب يجد صداه لدى البعض كمنطق عملي في ظروف تعقيد بناء الدولة، إلا أن خطورته تكمن في فصل قضايا النساء عن الفضاء العام واختزالها كقضايا هامشية، وهو منهج تتبناه أحياناً شخصيات أو مجموعات نسائية ترى أن ضمان الوجود داخل هيكل السلطة أولى من التفاوض معها أو مواجهة قراراتها.

تتكشف الأزمة الجوهرية هنا في التعاطي مع الحريات العامة وكأنها مكرمة أو قرارات رسمية تجود بها السلطة، وسط تجاهل حقيقة أن الهيمنة والضبط المجتمعي يتشكلان عبر خطوات صغيرة تبدو كل واحدة منها غير جديرة بمعركة كبرى.

ومع تراكم هذه القرارات والتعميمات، يتسرب الاستثناء ليصبح هو القاعدة، ويتحول المرفوض تدريجياً إلى سلوك اعتيادي ممارس.

تعميم الثروة السمكية وسؤال السلطة والأيديولوجيا

ضمن هذا السياق، يتجاوز التعميم الصادر عن الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية مجرد سجال عابر حول لباس الموظفات، وهو التعميم الذي أكدت وزارة الزراعة صحته لاحقاً متضمناً مطالبة العاملات بجميع فئاتهن بالالتزام بما سماه «اللباس المحتشم والرسمي واللائق بالوظيفة العامة».

ولم يقف القرار عند حدود هذا الوصف العريض، بل وضع معياراً محجداً للاحتشام ينحصر في ستر جميع أجزاء الجسم باستثناء الوجه والكفين، مع إسناد مهام المتابعة للمسؤولين والرقابة الداخلية لتنظيم التقارير بحق المخالفات، قبل أن تعلن الوزارة لاحقاً إحالة الأمر للجهات القانونية والإدارية للتحقق من مدى توافقه مع التشريعات وكرامة العاملين.

إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في المفاهيم الأخلاقية أو في الحجاب بحد ذاته، إذ يظل ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه حقاً أصيلاً للمرأة وفق خيارها الشخصي، ولا استقامة للدفاع عن الحريات إذا كان الهدف استبدال وصاية بوفاة أخرى.

لكن الأزمة تبدأ فور انتقال المسألة من الفضاء الشخصي الحر إلى الإلزام المؤسساتي، وعندما تمنح جهة حكومية نفسها صلاحية تحديد المساحات المسموح بظهورها من جسد المرأة وتأسيس جهاز رقابي لمتابعة ذلك.

وهنا ينتقل السجال من مظاهر اللباس إلى صلب الأيديولوجيا والسياسة، ليطرح أسئلة جوهرية حول الجهة التي تملك حق تقرير أسلوب حياة المواطنين، وأين تُرسم الحدود الفاصلة بين صلاحيات الدولة وحرية الفرد.

معركة الهوية في مرحلة إعادة تشكيل الدولة

تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة في الواقع السوري الراهن، حيث لا تعيش البلاد مجرد انتقال حكومي عادي، بل تمر بلحظة فارقة لإعادة تعريف سلطة الدولة وعلاقتها بالمجتمع بعد أكثر من نصف قرن من حكم الأسد.

وفي مثل هذه المراحل التأسيسية، لا يقتصر الصراع على إعادة هيكلة المؤسسات السياسية، بل يمتد إلى تشكيل شكل المجتمع وفرض المعايير الأخلاقية العامة وتحديد الأنماط المقبولة وتلك التي تُصنف كأنحراف، وتكون أجساد النساء عادة هي الساحة الأولى للتعبير عن هذه التحولات.

تتحول المرأة في المشاريع الأيديولوجية إلى محور للصراع السياسي ومساحة لممارسة سلطة الضبط، حيث يُقرأ لباسها كمعيار لأخلاق المجتمع وشعرها كدلالة على هويته، وتصبح صورها وحضورها في التعليم والعمل والفن شأناً عاماً تسعى السلطات لتنظيمه.

ولا يقتصر هذا التوتر على قرارات اللباس، بل يمتد إلى تفاصيل الحضور العام، كما حدث مؤخراً في مدينة حماة إثر نشر إعلان لمؤتمر طب حديثي الولادة استُبدلت فيه صور الطبيبات المشاركات برسم كرتونية، مما أثار مخاوف اجتماعية من توجه نحو إخفاء صور النساء.

ورغم توضيح نقابة أطباء حماة بأن الأمل جاء نزولاً عند رغبة الطبيبات أنفسهن احتراماً لحريتهن الشخصية—وهو توضيح يجب أخذه بجدية لأن حريات النساء تشمل حق حجب الصورة كما تشمل حق نشرها—إلا أن أصل الضجة يعكس حجم الحساسية والقلق الاجتماعي من مسار العلاقة بين السلطة والدين والحريات، كما يتقاطع مع مشاعر الغبن لدى نساء يرفضن حصر وجودهن في نطاق التمثيل الصوري المحدود دون الفاعلية السياسية الحقيقية، وهو ما تجلى في وقفة احتجاجية لنساء في حلب ضد ضعف التمثيل النسائي في مجلس الشعب المعين.

الهندسة المائعة ومناخ الرقابة الذاتية

لتوخي الدقة العلمية والتحليلية، لا تتوفر معطيات جازمة تؤكد وجود خطة مركزية موضوعة في الغرف المغلقة تحت مسمى «إعادة هندسة المجتمع السوري»، كما لا يمكن نسب كل ممارسة اجتماعية محافظة تلقائياً إلى توجيهات السلطة الرسمية.

فالمجتمع السوري يتسم تاريخياً بتعدديته واحتوائه على التوجهات المحافظة والمتدينة والعلمانية على حد سواء، ولا يمكن اختزال تحولاته في قرارات فوقية. إلا أن هندسة المجتمعات قد لا تحتاج دائماً إلى أوامر مركزية صارمة لتتحقق على الأرض.

تجري هذه العملية عبر آليات أكثر تعقيداً ودهاءً، يتداخل فيها قرار مسؤول محلي يسعى لمواكبة «المرحلة الجديدة»، مع فرض مدير مؤسسة لتصوره الخاص، ونشاط دعوي مجتمعي، وضغوط ممارسة على النساء، تليها أصوات تبرر كل حادثة بشكل منفصل كأمر بسيط لا يستدعي المواجهة. ويرافق ذلك اتجاه آخر يقوم على تصدير نماذج نسائية فردية بوصفهن ممثلات لشرائح كاملة، مما يكرس فكرة التمثيل الشكلي والاستعراضي داخل مؤسسات الدولة على حساب الفاعلية الحقيقية للجميع. ولا تكمن الخطورة الفائقة في النص التنفيذي بقدر ما تكمن في خلق مناخ اجتماعي يتيح فرض تصور أيديولوجي أحادي كمعيار عام، لأن القرارات الإدارية قابلة للإلغاء والتعديل، بينما يصعب التراجع عن التحولات الاجتماعية التي تجعل المواطنين يراقبون بعضهم بعضاً وتتحول فيها الضغوط من الجهاز الحكومي إلى السلطة المجتمعية.

الحريات العامة واختبار المواطنة الناشئة

إن الدفاع عن حقوق النساء ليس قضية ثانوية يمكن إرجاؤها إلى ما بعد تحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمني وإعادة الإعمار، بل إن طريقة تعامل أي سلطة مع ملف النساء تمثل الاختبار المبكر والأبرز لتصورها لمفهوم المواطنة؛ وما إذا كانت تعتبر المواطن فرداً أصيلاً يمتلك حريات لا تمنحها الدولة، أم مجرد موضوع قابل للتشكيل وفق أهوائها. ولا ينحصر هذا التحدي بالنساء وحدهن، فالمنطق الذي يمنح السلطة حق تحديد ما يظهر من جسد موظفة هو ذاته المنطق الذي قد يمتد لاحقاً لفرض قيود على مظهر الرجال، وما يعرضه الفنان، وما يكتبه الكاتب، وصولاً إلى التدخل في الحياة الخاصة للجميع.

لا يعبر الدفاع عن حق المرأة في اختيار مظهرها عن موقف مناهض للحجاب، بل هو دفاع مزدوج عن المحجبة وغير المحجبة معاً لضمان عدم إجبار الأولى على خلع حجابها أو إجبار الثانية على ارتدائه، وتأكيداً على مبدأ أن الدولة ليست وصياً أخلاقياً على الأجساد.

إن سوريا التي خرجت من عقود الحكم السابق الذي صادر السياسة والمجتمع، وقاومت فيه القوى الإسلامية والعلمانية القمع السابق وممارسات نزع الحجاب قسراً، ليست بحاجة لاستبدال نمط وصاية بنمط آخر.

فالعدالة تقتضي رفض فرض الحجاب أو نزعه قسراً لأن كليهما انتهاك لسيادة المرأة على جسدها. إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والسلطة لتكون الدولة حامية للتعددية لا أداة لفرض قالب أحادي، وهو ما يحتم مراقبة مسار القرارات والتأكد مما إذا كانت توسع مساحة الحرية أم تضيقها، وتحمي الاختلاف أم تفرض النموذج الواحد على مواطنين أحرار.

 

اقرأ أيضاً:تقرير حقوقي يكشف أنماط انتهاك ملكية المرأة في سوريا وآليات المعالجة في المرحلة الانتقالية

اقرأ أيضاً:لوموند: حقوق المرأة الكردية في مهب الريح: مخاوف من التراجع مع ملامح الدولة السورية الجديدة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.